إِضراب وانتقال من التبكيت بالاستفتاءِ السابق إلى التبكيت بهذا، أَي: بل أَخلقنا الملائكة إناثًا وهم معاينون لخلقهم حتى حكموا هذا الحكم الباطل، فهم من أشرف الخلائق عند ربهم، وأَعظمهم بعدا عن الأنوثة، وقوله - تعالى: {وَهُمْ شَاهِدُونَ} استهزاء بهم، وتجهيل لهم، ومثله قوله - تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} فإن هذه الأمور لا تُعْلَم إلاَّ بالمشاهدة, إِذ لا سبيل إِلى معرفتها بطريق العقل ولا النقل، فلا بد أَن يكون القائل بأُنوثتهم شَاهد خَلقهم على هذه الصورة ليصح قوله، ولا سبيل لهم إلى ذلك.
151، 152 - {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) } :
استئناف من جهته - تعالى - غير داخل تحت الاستفتاءِ, سِيق لإِبطال أَصل مذهبهم الفاسد ببيان أَن مبناه الإفك والافتراء القبيح, من غير أن يكون لهم دليل ولا شبهة، وإِنهم لكاذبون فيما يتدينون به مطلقًا أو في هذا القول، والمعنى: تنبَّه أَيها السامع: إِنهم من كذبهم واختلاقهم ليقولون: ولد الله، بقولهم: الملائكة بنات الله، وهو المنزه
عن الوالدية والولدية، وإِنهم لكاذبون في هذا الادعاءِ بشهادة الأدلة على وحدانيته - تعالى -، والولد يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
153 - {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} :
أَي: أَي شيءٍ يحمله على أن يختار البنات - المكروهات في زعمكم - على البنين المحبوبين لديكم وهو - سبحانه - الخالق للبنات والبنبن، مثل ذلك قوله - تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا} والاستفهام للإنكار والتوبيخ, والمراد: إثبات إفكهم وتقرير كذبهم، ولهذا قال تبارك وتعالى:
154 - {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} :
ماذا أَصابكم حين حكمتم بغير دليل, كيف تحكمون هذا الحكم الفاسد مع وضوح بطلانه؟
155 - {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} :
أنسيتم دلائل القدرة والتنزيه المرْكوزة في كل العقول، فلا تتذكرون أنه لا يجوز أَن يكون له ولد حتى وقعتم في هذا الضلال؟