قوله تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(1) .
كقول القائل: هذا تنزيل الكتاب من الله؛ أي: من عند الله أو من لدنه، كما قال: (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ)
فروح القدس صفة من الصفات، ويمكن أن يكون قد أوجد خلقًا من عباده أقامه في ملكوته مقامًا شاءه، كما هو المؤمن أوجد الإيمان والمؤمنين، والسلام أوجد الإسلام والمسلمين، كذلك أوجد عن كل اسم وصفة
عرف بها موصوفًا ومسمى ما، والقرآن كلامه فهو منه، وأن كان المراد بالعبارة:
الكتاب، فهو من عنده.
قال الله - جل ذكره: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) وقرأ ابن أبي
عبلة:"تنزيلَ الكتاب"بفتح اللام من تنزيل، وقد تقدم أن معنى تنزيل: تيسير
وتقريب، كما قال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) إذ كلام الله - جل ذكره - لا يحتمله شيء، كما قال: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) كذلك لو أنزله على ما هو عليه من العظمة
والجلال ما احتملته الأرض والسماوات لولا تنزيله إياه ورحمته في ذلك.
(فصل)
جاء أن قومًا من المشركين قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا محمد، إنك قد سببت آلهتنا
وسفهت أحلامنا، ونحن لا نصبر لك على ما أنت عليه، وإنك تدعو إلى شيء وإنا
لنخاف عليك من آلهتنا أن تختبلك وأن تنالك منها بسوء، فتعال فلنتوسط معك أمرًا
بين أمرين: وهو أن نعبد نحن إلهك الذي تدعو إليه: وتعبد أنت ما نعبده نحن،
فأنزل الله - جل ثناؤه: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2)
إلى آخرها.
وتأسس تنزيل هذه السورة على كسر مقالهم ذلك وإبطال مذهبهم إلى آخرها،
واستاق الخطاب منتظمًا بما تقدم في سورة:"ص"من أنه خلق السماوات والأرض
بالحق، وقد تقدم قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ(2)
يعرض بشركهم ويأمره بإخلاص العبادة لوجهه الكريم (أَلَا لِلَّهِ