ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
سورة الزمر
{خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}
قوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}
«إن قلت» : إن {ثُمَّ} للترتيب، فيقتضي أن خلق الذرية قبل خلق حواء، هو خلاف المعروف المشاهد؟ وأجيب بثلاثة أجوبة:
الأول: أن {ثُمَّ} لمجرد الإخبار، لا لترتيب الإيجاد.
الثاني: أن المعطوف متعلق بمعنى واحدة، و {ثُمَّ} عاطفة عليه، كأنه قال: خلقكم من نفس كانت متوحدة لم يخلق نظيرها، ثم شفعت بزوج.
الثالث: أن معنى {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أخرجكم منها يوم أخذ الميثاق في دفعة واحدة، لأن الله تعالى خلق آدم، وأودع في صلبه أولاده كالذر، ثم أخرجهم وأخذ عليهم الميثاق، ثم ردهم إلى ظهره، ثم خلق منهم حواء.
قوله: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأَنْعَامِ} إلخ إنما عبر عنها بالنزول، لأنها تكونت بالنبات، وهو غذاء لهان والنبات بالماء المنزل، فهو يسمى عندهم بالتدريج، ومنه قوله تعالى: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} [الأعراف: 26] الآية، وقيل: إن الإنزال حقيقة لما روي أن الله خلق الأنعام في الجنة، ثم أنزلها في الأرض، كما قيل في قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 25] فإن آدم لما هبط إلى الأرض نزل معه الحديد.
قوله: {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}
«إن قلت» : إن في هذا إغراء بالمعاصي، واتكالاً على غفرانه تعالى، وهو لا يليق؟
أجيب: بأن المقصود تنبيه العاصي على إنه ينبغي له أن يقدم على التوبة، ولا يقنط من رحمة الله، وليس ذلك إغراء بالمعاصي، بل هو تطمين للعصاة، وترغيب لهم في الإقبال على ربهم.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}
أي إشراكاً أو غيره، وهو مقيد بالتوبة كما قال المفسر، لأن بها يخرج العاصي من ذنوبه كيوم ولدته أمه لما في الحديث:"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"
وأما من مات مسلماً ولم يتب من ذنوبه فأمره مفوض لربه، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر جرمه، ثم يدخله الجنة، وأما من مات مشركاً، فلا يغفر له بنص قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] ومن هنا قيل: رحمة الله غلبت غضبه، لأن دار الغضب مخصوصة بمن مات مشركاً، بخلاف دار الرحمة، فهي لمن عدا ذلك.