ومن لطائف ونكات تفسير ابن الجوزي:
سورة الزمر
قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف اجتمع في هذه الآية استفهامان بلا جواب؟
قيل: أمّا الفراء، فإنه يقول: هذا ممّا يُراد به استفهام واحد، فسبق الاستفهامُ إِلى غير موضعه فَرُدّ إِلى موضعه الذي هو له، فيكون المعنى: أفأنتَ تُنْقِذ مَنْ في النارِ مَنْ حَقَّت عليه كلمة العذاب؟
ومثله: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) فردّ «أَنَّكُمْ» مرتين، والمعنى: أَيَعِدُكُم أنكم مُخْرَجون إِذا مِتُّم؟
ومثله: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا) ثم قال: (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) فرَدَّ «تَحْسَبَنَّ» مرتين، والمعنى: لا تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بمفازة من العذاب.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون في الكلام محذوف، تقديره: أفمن حَقَّ عليه كلمةُ العذاب فيتخلَّص منه أو ينجو، أفأنت تنقذه؟
قال المفسِّرون: أفأنت تخلّصه ممّا قُدِر له فتجعله مؤمناً؟
والمعنى: ما تقدر على ذلك.
قال عطاء: يريد بهذه الآية أبا لهب وولده ومن تخلَّف من عشيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الإِيمان.
قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يقسو القلب من ذِكْر الله عزّ وجلّ؟
فالجواب: أنه كُلَّما تُلِيَ عليهم ذِكْرُ الله الذي يكذِّبونَ به، قَسَت قلوبُهم عن الإيمان به.
وذهب مقاتل في آخَرِين إِلى أنَّ «مِنْ» هاهنا بمعنى «عَنْ» قال الفراء: كما تقول: أُتْخِمْتُ عن طعام أكلتُه، ومِنْ طعام أكلتُه وإِنما قَسَت قلوبُهم مِنْ ذِكْر الله، لأنهم جعلوه كذباً فأقسى قلوبَهم ومن قال: قست قلوبهم عنه، أراد: أعرضت عنه.