ومن لطائف ونكات تفسير مكي بن أبي طالب:
سورة الزمر
(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ...(6)
وإنما ذكر الخلق قبل حواء وهي قبلهم في الخلق، لأن العرب ربما أخبرت عن رجل بفعلين. فترد الأول منهما على المعنى بـ"ثم"إذا كان من خبر المتكلم يقال: قد بلغني ما كان منك اليوم ثم بما كان منك أمس أعجب.
وقيل معناه:"ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جل ذكره لما خلق آدم مسح ظهره وأخرج كل نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة ثم أسكنه بعد ذلك الجنة، فخلق بعد ذلك حواء من ضلع من أضلاعه".
وقيل المعنى: خلقكم من نفس وحدها ثم جعل منها زوجها.
{وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}
هي المفسرة في سورة الأنعام: الإبل والضأن والمعز والبقر كل زوجين ذكر وأنثى.
وإنما أخبر عنها بالنزول، لأنها إنما نشأت وتكونت بالنبات، والنبات إنما نشأ وتكوّن بالمطر، فالمطر هو المُنْزَلُ، فأخبر عما اندرج وتكوّن منه بالإنزال. وهذا من التدريج وله نظائر كثيرة، ومنه قوله: {يابني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} [الأعراف: 26] فاللباس لم ينزل لكنه تكوّن عما نبت بالمطر الذي هو مُنْزَلٌ، فسمي ما تكوَن عن المطر: منزل.
وقوله: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ} ، يعني به ظُلْمَةُ البطن وظلمة الرحم وظلمة المَشِيمَةِ.
هذا قول جميع المفسرين إلا أبا عبيدة فإنه قال: هي ظلمة الصلب ثم ظلمة الرحم ثم ظلمة البطن.
(لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ...(16)
أي: لهؤلاء في جهنم ما يعلوهم مثل الظل، وما يسفل عنهم مثل الظل، وهو مثل قوله: {لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] .
وقيل: هو توسع، أصل الظلة: ما كان من فوق دون ما كان من أسفل.