قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: نَزَلَتْ مَعَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ: زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَأْتِهِمْ كِتَابٌ وَلَا بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ، وَلَكِنْ وَقَرَ فِي نُفُوسِهِمْ كَرَاهِيَةُ مَا النَّاسُ عَلَيْهِ بِمَا سَمِعُوا مِنْ أَحْسَنِ مَا كَانَ فِي أَقْوَالِ النَّاسِ، فَلَا جَرَمَ قَادَهُمْ ذَلِكَ إلَى الْجَنَّةِ.
أَمَّا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَمَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ فِي أَيَّامِ الْفَتْرَةِ فَلَهُ مَا نَوَى مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ وَسَلْمَانُ فَتَدَارَكَتْهُمْ الْعِنَايَةُ، وَنَالُوا الْهِدَايَةَ، وَأَسْلَمُوا، وَصَارُوا فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ جَمَاعَةٌ: الطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ، وَقِيلَ: الْأَصْنَامُ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: هُوَ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُوَ فَلَعُوتٌ مَنْ طَغَى؛ إذَا تَجَاوَزَ الْحَدَّ، وَدَخَلَ فِي قِسْمِ الْمَذْمُومِ فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ الْعَرَبُ قَدْ اتَّخَذَتْ فِي الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ، وَهِيَ سِتُّونَ، كَانَتْ تُعَظِّمُهَا بِتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ، وَتُهْدَى إلَيْهَا كَمَا تُهْدَى إلَى الْكَعْبَةِ، وَكَانَ لَهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ، وَكَانَتْ تَطُوفُ بِهَا، وَتَعْرِفُ فَضْلَ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا.