{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ... (42) }
(فائدة)
إمساكه سبحانه التي قضى عليها الموت لا ينافي ردها إلى جسدها الميت في وقت ما ردا عارضا لا يوجب له الحياة المعهودة في الدنيا.
وإذا كان النائم روحه في جسده وهو حي وحياته غير حياة المستيقظ، فإن النوم شقيق الموت، فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده كانت حاله متوسطة بين الحي والميت الذي لم ترد روحه إلى بدنه، كحال النائم المتوسطة بين الحي والميت، فتأمل هذا يزيح عنك إشكالات كثيرة.
[فصل: الرؤيا]
ومما ينبغي أن يعلم أن ما ذكرنا من شأن الروح يختلف بحسب حال من الأرواح من القوة والضعف، والكبر والصغر، فالروح العظيمة الكبيرة ذلك ما ليس لمن هو دونها، وأنت ترى أحكام الأرواح في الدنيا كيف تتفاوت أعظم تفاوت، بحسب تفارق الأرواح وكيفياتها وقواها وإبطائها وإسراعها والمعاونة لها، فالروح المطلقة من أسر البدن وعلائقه وعوائقه التصرف والقوة والنفاذ والهمة وسرعة من الصعود إلى اللّه والتعلق باللّه ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه، فإن كان هذا وهي محبوسة في بدنها فكيف إذا تجردت وفارقته واجتمعت فيها قواها وكانت في أصل شأنها روحا علية زكية كبيرة ذات همة عالية فهذه لها بعد مفارقة البدن شأن آخر وفعل آخر.
وقد تواترت الرؤيا من أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها ما لا تقدر على مثله حال اتصالها بالبدن من هزيمة الجيوش الكبيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك، وكم قد رئي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومعه أبو بكر وعمر في النوم قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم، فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عددهم وعدتهم ضعف المؤمنين وقتلهم.
ومن العجب أرواح المؤمنين المتحابين المتعارفين تتلاقى وبينها أعظم مسافة وأبعدها، فتألف وتتعارف، فيعرف بعضها بعضا كأنه جليسه وعشيره، فإذا رآه طابق ذلك ما كان عرفته روحه قبل رؤيته.
(قال) عبد اللّه بن عمرو: إن أرواح المؤمنين تتلاقى على مسيرة يوم، وما رأى أحدهما قط، ورفعه بعضهم إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم.