قوله: {قُلْ ياعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ} الخ، سب نزولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى وحشي قاتل حمزة يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: كيف تدعوني إلى دينكن وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زنى يلق أثاماً يضاعف له العذاب، وأنا فعلت ذلك كله؟ فأنزل الله
{إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} [الفرقان: 70] فقال وحشي: هذا أمر شديد، لعلي لا أقدر عليه، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] أراني بعد في شبهة، أيغفر لي أم لا؟ فنزلت هذه الآية، فقال وحشي: نعم، الآن لا أرى شرطاً، فأسلم، وهذه الآية عامة لكل كافر وعاص، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن ثم قيل: إنها أرجى آية في كتاب الله تعالى، وفيها من أنواع المعاني والبيان أمور حسان، منها: إقباله تعالى على خلقه ونداؤه إياهم. ومنها: إضافتهم إليه إضافة تشريف، ومنها: التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: {مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} . ومنها: إضافة الرحمة لأجل أسمائه، الجامع لجميع الأسماء والصفات، وهو لفظ الجلالة. ومنها: الإتيان بالجملة المعرفة الطرفين المؤكدة بأن وضمير الفصل في قوله: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} للإشارة إلى أنه تعالى لا وصف له مع عباده إلا الغفران والرحمة، ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الله تعالى لما شدد على الكفار التشديد العظيم في قوله
{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [الزمر: 47] الآية، أتبعها بذكر عظيم غفرانه ورحمته لمن آمن، ليجمع العبد بين الرجاء والخوف.
قوله: {الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} أي فرطوا في الأعمال الصالحة، وارتكبوا سيئ الأعمال، وأكثروا منه.
قوله: {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}
إن قلت: إن في هذا إغراء بالمعاصي، واتكالاً على غفرانه تعالى، وهو لا يليق؟