(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة المؤمن
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)
إلى قوله: (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(9)
دليل على كرامة المؤمن على الله، إذ قد ألهم حملة عرشه
-ومن حوله - الاستغفار له، والدعاء، وما فيه له ولآبائه وأزواجه
وذرياته النجاة.
وفي دعائهم للتائبين المتبعين سبيل الله - بالمغفرة - دليل على ما
قلنا: من أن التائب، وغير التائب محتاج إلى مغفرة الله ورضوانه،
لا ينجيه عمله، دون أن يجود عليه مولاه برحمته.
(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ)
دليل على أنه في السماء، على العرش، لأن"ذو"نعت، ولا يكون إلا نعت حلوله، واستوائه عليه، وكذا قال في سورة البروج: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) ، فهو نعت.
قوله: (لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ)
خطاب للعباد، على ما في سجيَّة عقولهم من أن البارز أحضر لعين الرقيب، والجليل في الحقيقة
لا يخفى عليه شيء من أمور عباده، بارزين وغير بارزين، ولا يسترهم
عنه ستر ولا حجاب. فإن قيل: أفليس قد قال النبي، صلى الله عليه
وسلم، في حديث يَعلى حين أمر المغتسل بالاستتار في الخلوة -:""
فالله أحق أن في يستحيا منه"؟."
قيل: إنما ذلك إفراغ طاقة العبد في عبادته - بينه وبين خالقه - لا
أنه يستتر به عنه، كما يستتر من عبيده، وتوهم ذلك كفر ممن توهمه.
وقد استعبد الله عباده بغسل أعضاء الوضوء، من غير نجاسة عليها
تزال بالماء، والاستتار له عبادة، كما الوضوء بالماء عبادة، وكرمي
الجمار، وأشباهه، فهي عبادة، لا لمعنى فيها بل، لغيرها، وكذا
قوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) وقد كان - أبدًا - الملك له وحده،