[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
فأمّا قوله: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ} فإنّه لا منافاة بينه وبين إخباره عن قولهم في الدنيا، لأنّه يمكن أن يكونوا يحيون في قبورهم ويعذّبون بعذاب دون عذاب الآخرة، ثم يقال لهم في الآخرة أدخلوا أشدّ العذاب، ووقت عذابهم في القبر غير وقت موتهم في الدنيا.
ويمكن أن يكون أراد نقلهم في جهنّم من طبقة إلى طبقة أسفل منها إلى ما هو أشدّ منه، فقال لهم: أدخلوا آل فرعون عذابا أشدّ مما كنتم فيه، ويجوز أن يكون أشدّ العذاب هو نفس العذاب بجهنّم الذي وعدوا به، فقيل لهم أدخلوا أشدّ العذاب، وهو الذي كنتم توعدون به، كما يقال القائل:
أدخلوا فلانا المسجى والمطبق ثم يقال أدخلوه إلى أضيق محبس، ويكون الأضيق هو السجن، والمطبق الذي ذكره من قبل فلا تنافي بين هذا الكلام وبين شيء من كلام الله سبحانه، وقيل معناه أنّهم بعرضها أي: قاربوا دخولها كما يقال فلان بعرض هلكة أي: قد قاربها وقيل أعمالهم أعمال من يستحق أبدا المقام على الذّل ونحو ذلك، فكأنّهم يغدون ويرجعون إليها بأعمالهم كما يقول القائل: غدو فلان يغدوا ويروح إلى النار أي من غدو ورواح على أعمال أهل النار.
وأمّا تعلّقهم بقوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ} وأنّه نقيض قوله: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ} [المائدة: 115] ، فإنّه غير متناقض لأنّه عنى - وهو أعلم - أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب الذي هو عذاب الدخول من الباب الذي يدخلون منه إلى جهنم، وقوله: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ} يعني بالمسخ لهم خنازير ولم يعذّب بذلك في الدنيا أحدا غيرهم، وقوله في المنافقين: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145] فيمكن أن يكون آل فرعون والمنافقين جميعا في أشدّ العذاب بأن يدخلوا جميعا من باب واحد ويحصلوا في درك جهنم، فما الذي يمنع من ذلك؟
وقد يمكن أن يكون الدرك الأسفل فيه مراتب وطبقات من العذاب آل فرعون في أشده، والمنافقون في قريب منه، وقوله: {لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} [الغاشية: 6] ، و {غِسْلِينٍ} [الحاقة: 36] ، وشَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ [الأنعام: 70] ، و {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعامُ الْأَثِيمِ} [الدخان: 43 - 44] .
فإنّه غير متضاد لأنّه طعام أهل طبقات جهنم وأحوالهم مختلفة وكذلك الحميم والغسلين لأهل طبقتين، وقد يجوز أن يكون الغسلين من الحميم والضريع من شجرة الزّقوم فلا يكون في ذلك تناقضا ولا تنافيا. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...