{إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ}
الجدل: هو المراء والأخذ والردّ، مأخوذ من جَدْل الحبل وفَتْله، والفتْل عملية تتماسك فيها الخيوط، وتتداخل بعضها في بعض بعد أنْ كانت هشَّة متفرقة، فالجَدْل يحمل معنى التقوية، تقوية الرأي بالرأي.
والجدل منه جدل بنَّاء يهدف للوصول إلى الحق، وجدل مِراء لا فائدةَ منه، جدل الحق جدل بسلطان يعني: حجة وبرهان، وجدل المِرَاء بالباطل. يعني: بدون سلطان ولا حجة، والسلطان إما أن يكون سلطانَ قهر يحملك ويُرغمك ويقهرك على الشيء، وإما سلطان حجة وإقناع، سلطان القهر يجعلك تفعل وأنت كاره مُجبر، وسلطان الإقناع والحجة يجعلك تفعل وأنت رَاضٍ مقتنع.
لذلك قال عدو الله إبليس:
{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} [إبراهيم: 22] .
يعني: لم يكن عندي سلطان قهر أقهركم به على المعصية، ولا سلطان حُجة وإقناع أقنعكم به.
لذلك قلنا في آية السجود لآدم أن الحق سبحانه قال مرة
{مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} [ص: 75] وفي موضع آخر قال:
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] فواحدة بالإثبات والأخرى بالنفي، كيف؟ يعني: هل جئتَ لتسجد فجاءت قوةٌ منعتك من السجود؟ أم قوةٌ أقنعتك بعدم السجود فلم تسجد وأنت رَاضٍ مُقتنع بذلك؟
ومعنى {فِي آيَاتِ اللَّهِ} [غافر: 56] قلنا: إنها على ثلاثة أقسام:
آيات كونية لإثبات الوجود الأعلى وقدرته وبديع صنعه، ومن هذه الآيات الكونية الشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء .. إلخ.
الثانية: هي المعجزات التي يجعلها الله للرسل لإثبات صدق الرسول في البلاغ عن الله.
والثالثة: هي آيات القرآن الكريم التي تحمل أحكام الله إلى الناس، وتحمل منهج الله بافعل ولا تفعل.
ففي أيِّ هذه الأنواع يجادلون؟ قالوا: يجادلون في المعجزات، وفي آيات الأحكام، أما الآيات الكونية فليستْ مجالاً للجدل.