الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ {حم} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِنَ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَهُوَ الْحَاءُ وَالْمِيمُ مِنْهُ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «الر، وَحم، وَن، حُرُوفُ الرَّحْمَنِ مُقَطَّعَةٌ»
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ حُرُوفُ هِجَاءٍ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَوْفَى الْعَبْسِيِّ:
[البحر الطويل]
يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلَاحَمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ
وَبَقَوْلِ الْكُمَيْتِ:
[البحر الطويل]
وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ حَامِيمَ آيَةً ... تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ
قَالَ يُونُسُ الْجَرْمِيَّ:"وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فَهُوَ مُنْكَرٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ السُّورَةَ {حم} سَاكِنَةُ الْحُرُوفِ، فَخَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّهَجِّي، وَهَذِهِ أَسْمَاءُ سُوَرٍ خَرَجَتْ مُتَحَرِّكَاتٍ، وَإِذَا سُمِّيَتْ سُورَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُفِ الْمَجْزُومَةِ دَخَلَهُ الْإِعْرَابُ"
وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظِيرُ الْقَوْلِ فِي أَخَوَاتِهَا، وَقَدْ بَيْنَا ذَلِكَ، فِي قَوْلِهِ: {الم} فَفِي ذَلِكَ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
إِذْ كَانَ الْقَوْلُ فِي حم، وَجَمِيعِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَعْنِي حُرُوفَ التَّهَجِّي قَوْلًا وَاحِدًا.
وَقَوْلُهُ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) }
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، الْعَلِيمُ يما يَعْمَلُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَغَيْرِهَا تَنْزِيلُ هَذَا الْكِتَابِ؛ فَالتَّنْزِيلُ مَرْفُوعٌ بِقَوْلِهِ: {مِنَ اللَّهِ}