نظم بذلك قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ...(21) .
لما فيه من التعريض بذكر الجزاء العاجل والآجل، انفصل ذلك من صدر السورة قوله: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ) إلى قوله: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)
إلى قوله: (فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ(5) .
ثمِ كذلك إلى ما هاهنا قوله تعالى:(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ
إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ... .)هذا الرجل فيه كان فرعوني
النسب ظاهره على مراد فرعون، وكان مؤمن الباطن يكتم إيمانه من فرعون
وأشياعه، فوصفه الله بالإيمان لعمارته باطنه، ونسبه إلى فرعون؛ إذ كان المراد به
الإعلام والتعريف ممن هو فرعون.
ومن الفقه في هذا: أن المؤمن التقي بين قوم فساق وعند سلطان جائر جبار أن
يكتم تقواه، غير أنه يكف ظاهره من التشبيه بهم، وفي هذا أن للمؤمن في أيام
الدجال أن يكتم إيمانه، غير أنه لا يحب أن يظهر الكفر، فمتى وجد سبيلاً إلى فعل
معروف فعله بأي وجه أمكنه، وآل فرعون هاهنا هم آل نسبه وقبيلته، وظهر لنا
إيمانه من قوله ونصيحته في الله لقومه، كما ظهر لنا من ذلك علمه بربه ومعرفته
بحكمته في حكمه وعدله، والظاهر من شأنه أنه كان مسموعًا منه مكينًا فيهم.
قوله تعالى فيما حكاه عن هذا الرجل المؤمن فيه:(يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا). انظروا إلى
علمه بالله وبحكمه حيث قال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) إلى
قوله: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ)
أي: في الدنيا؛ لأنها لا تسع كل ما كان يعدهم به من العذاب، وقد
وقعوا في الدار الوسطى إلى عذاب أكبر من عذاب الدنيا، ويوم القيامة يدخلون أشد
العذاب، أي: أشد العذابين: عذاب الدنيا وعذاب البرزخ.