(فصل: في الموسم الرابع وهو الشيخوخة)
قال ابن الجوزي:
وقد يكون في أول الشيخوخة بقية هوى، فيثاب الشيخ على قدر صبره، وكلما قوي الكبر، ضعفت الشهوة، فلا يراد الذنب، كما قال الشاعر:
تاركك الذنب فتاركته ... بالفعل والشهوة في القلب
فالحمد للذنب على تركه ... لا لك في تركك للذنب
فإذا تعمد الشيخ ذنباً، فكانه مراغم؛ إذ الشهوة المطالبة قد خرست.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أبغض الخلق إلى الله شيخٌ زانٍ ) ).
ومنهم من كأنه يقصد المراغمة، فيلبس الشيخ خاتم الذهب.
فالويل كل الويل لمن لم ينهه شيبه عن عيبه، وما ذاك إلا لخلل في إيمانه.
وقد يقول الشيخ العالم: علمي يدفع عني، وينسى أن علمه حجة عليه.
وقد رئي بعض مشايخنا في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وهو معرضٌ
عني، فقيل له: غفر لك، وأعرض عنك؟ فقال: نعم، وعن جماعة من العلماء لم يعملوا بعلمهم.
وقد رأيت بعض مشايخنا وكان مفرطاً، وهو عريان، وقد تعلق بثدييه ثلاثة كلاب صغار، والجرو منها يمص ثدييه.
وقد رئي يحيى بن أكثم بعد موته في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قال ربي: يا شيخ السوء.
ورئي منصور بن عمار أيضاً في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: قال لي: يا شيخ السوء.
وقال الفضيل: يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنبٌ واحد. قال الله عز وجل: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} .
قال أبو الدرداء: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة واحدة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات.
وقال: أخوف ما أخاف أن يقال لي: علمت؟
فإن قلت: لا، فقد علمت، وإن قلت: نعم، لم يبق آيةٌ آمرةٌ ولا ناهيةٌ إلا وبختني.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ومما قلته في ذكر الشيب:
غررنا بالشباب المستعار ... أفقنا بالمشيب من الخمار
أنار لنا المشيب سبيل رشدٍ ... وندمنا على خلع العذار
فوا أسفا على عمرٍ تولت ... لذاذته وأبقت قبح عار
فنحن اليوم نبكي ما فعلنا ... فكيف وكم وقعنا في خسار
فليس لنا سوى حزنٍ وخوفٍ ... وندبٍ في خضوعٍ وانكسار
تعالوا نبك ما قد كان منا ... وقوموا في الدياجي باعتذار
وما شيءٌ لمحو الذنب أولى ... من الأحزان والدمع الغزار
ستدري يا مفرط صدق قولي ... إذا غودرت في بطن الصحاري
وخلاك الرفيق أسير فقرٍ ... ترافقك الندامة في القفار