فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 394953 من 466147

(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)

سورة فصلت

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) }

(المجاز بين التقرير والإنكار)

قد كان المجاز قديمًا وحديثًا مثار نقاش حادٍّ بين أهل العلم، فقد ذهب بعضهم إلى أن اللغة كلها حقيقة، ويُنكرون المجاز على الإطلاق، ويذهبون إلى أنه غير وارد في القرآن، ولا في كلام الناس، وحجتهم أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزَّه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إلى المجاز إلا إذا ضاقت به الحقيقة، ويزعم آخرون أن أكثر اللغة عند التأمل مجاز لا حقيقة، وقولنا قام زيد - مثلًا - مجاز؛ لأن زيدًا لم يفعل كل القيام، بل فعل بعضه، فهو من وضع الكل موضع البعض؛ للاتساع والتوكيد، ولذا يقال: قام قومة وقومتين، وقيامًا حسنًا وقيامًا قبيحًا، وكذا قولنا ضربت زيدًا، مجاز أيضًا؛ لأن القائل فعل بعض الضرب لا كله، ولأنه ضرب بعض زيد لا جميعه، فقد ضرب يده، أو رجله أو ناحية من نواحي جسده، ولهذا فإنه إذا احتاط جاء ببدل البعض، فيقول: ضربت زيدًا رأسه، أو كتفه، وهذان الرأيان مبنيان على خطأ في التصور، وعلى كثير من التدقيق الذي تنفر منه طبيعة هذه اللغة، ويتضح ذلك فيما يلي:

أولًا: أن المجاز قد ورد في اللغة وفي القرآن الكريم، فنحن نقول مثلًا: رأيت أسدًا، وتريد رجلًا شجاعًا، والله - عز وجل - يقول: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (يوسف: 82) ، ويقول: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} (الإسراء: 24) والقرية لا تسأل، وليس للذل جناح، فالمعنى على المجاز.

ثانيًا: أن المجاز يُفارق الكذب، في أن الكذب لا تأويل فيه، والمجاز مبني على الصرف عن الظاهر والتأويل، وذلك بادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، وصيرورته فردًا من أفراده.

كما أن المجاز لا بد فيه من نصب قرينة على إرادة خلاف الظاهر من اللفظ مانعة من إرادة المعنى الحقيقي له. أما الكذب فليس فيه قرينة على إرادة غير الظاهر، بل إن قائله يبذل قصارى جهده لترويج ظاهره، وإبراز صحة باطله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت