وَقَوْلُهُ: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَسْتَوِي حَسَنَةُ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، فَأَحْسَنُوا فِي قَوْلِهِمْ، وَإِجَابَتِهِمْ رَبَهُمْ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَدَعَوْا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى مِثْلِ الَّذِي أَجَابُوا رَبَّهُمْ إِلَيْهِ، وَسَيِّئَةُ الَّذِينَ قَالُوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلُبُونَ} فَكَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي عِنْدَ اللَّهِ أَحْوَالُهُمْ وَمَنَازِلُهُمْ، وَلَكِنَّهَا تَخْتَلِفُ كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ خَالَفَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} فَكَرَّرَ «لَا» وَالْمَعْنَى: لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ غَيْرَ مُسَاوٍ شَيْئًا، فَالشَّيْءُ الَّذِي هُوَ لَهُ غَيْرُ مُسَاوٍ غَيْرَ مُسَاوِيهِ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُسَاوِيًا لِشَيْءٍ فَالْآخِرُ الَّذِي هُوَ لَهُ مُسَاوٍ، مُسَاوٍ لَهُ، فَيُقَالُ: فُلَانٌ مُسَاوٍ فُلَانًا، وَفُلَانٌ لَهُ مُسَاوٍ، فَكَذَلِكَ فُلَانٌ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِفُلَانٍ، وَلَا فُلَانٌ مُسَاوِيًا لَهُ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَتْ «لَا» مَعَ السَّيِّئَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَرَّرَةً مَعَهَا كَانَ الْكَلَامُ صَحِيحًا.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ؛ يُرِيدُ: لَا يَسْتَوِي عَبْدُ اللَّهِ وَزَيْدٌ، فَزِيدَتْ لَا تَوْكِيدًا، كَمَا قَالَ {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ} أَيْ لِأَنْ يَعْلَمَ، وَكَمَا قَالَ: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}