وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ قَوْلَهُ هَذَا فِي: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} ، وَفِي قَوْلِهِ: {لَا أُقْسِمُ} فَيَقُولُ: «لَا» الثَّانِيَةُ فِي قَوْلِهِ: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} أَنْ لَا يَقْدِرُونَ رُدَّتْ إِلَى مَوْضِعِهَا، لِأَنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا لَحِقَ يَقْدِرُونَ لَا الْعِلْمُ، كَمَا يُقَالُ: لَا أَظُنُّ زَيْدًا لَا يَقُومُ، بِمَعْنَى: أَظُنُّ زَيْدًا لَا يَقُومُ؛ قَالَ: وَرُبَّمَا اسْتَوْثَقُوا فَجَاءُوا بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَرُبَّمَا اكْتَفَوْا بِالْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِي وَحُكِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ: مَا كَأَنِّي أَعْرِفُهَا: أَيْ كَأَنِّي لَا أَعْرِفُهَا. قَالَ: وَأَمَّا «لَا» فِي قَوْلِهِ {لَا أُقْسِمُ} فَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ، وَالْقَسَمُ بَعْدَهَا مُسْتَأْنَفٌ، وَلَا يَكُونُ حَرْفُ الْجَحْدِ مُبْتَدَأً صِلَةٍ وَإِنَّمَا عَنَى بقَولِهِ: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةَ} وَلَا يَسْتَوِي الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ وَالشِّرْكُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِمَعْصِيَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْفَعْ يَا مُحَمَّدُ بِحِلْمِكَ جَهْلَ مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَبِعَفْوِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ إِسَاءَةَ الْمُسِيءِ، وَبِصَبْرِكَ عَلَيْهِمْ مَكْرُوهَ مَا تَجِدُ مِنْهُمْ، وَيَلْقَاكَ مِنْ قِبَلِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالْحِلْمِ وَالْعَفْوِ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: ادْفَعْ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ إِسَاءَتَهُ.
وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}