{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ}
استئناف بياني جواب لسؤال يثيره قوله: {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} [فصلت: 40] ، وقوله: {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} [فصلت: 41] وما تخلل ذلك من الأوصاف فيقول سائل: فما بال هؤلاء طعنوا فيه؟ فأجيب بأن هذه سنة الأنبياء مع أممهم لا يعدمون معاندين جاحدين يكفرون بما جاءوا به.
وإذا بنيت على ما جوزته سابقاً أن يكون جملة: {مَّا يُقَالُ} خبر {إنّ} [فصلت: 41] كانت خبراً وليست استئنافاً.
وهذا تسلية للنبيء بطريق الكناية وأمر له بالصبر على ذلك كما صبر من قبله من الرسل بطريق التعريض.
ولهذا الكلام تفسيران:
أحدهما: أن ما يقوله المشركون في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم هو دأب أمثالهم المعاندين من قَبلهم فما صدقُ {مَا قَدْ قِيلَ للِرُّسُلِ} هو مقالات الذين كذبوهم، أي تشابهت قلوب المكذبين فكانت مقالاتهم متماثلة قال تعالى: {أتواصوا به} [الذاريات: 53] .
التفسير الثاني: ما قُلنا لك إلا ما قلناه للرسل من قبلك، فأنت لم تكن بدعاً من الرسل فيكون لقومك بعض العذر في التكذيب ولكنهم كذبوا كما كذب الذين من قبلهم، فمَا صدقُ: {مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسل} هو الدين والوحي فيكون من طريقة قوله تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى} [الأعلى: 18] .
وكلا المعنيين وارد في القرآن فيحمل الكلام على كليهما.
وفي التعبير بـ {ما} الموصولة وفي حذف فاعل القولين في قوله: {مَّا يُقَالُ} وقوله: {مَا قَدْ قِيلَ} نظم متين حمَّل الكلام هذين المعنيين العظيمين، وفي قوله: {إلاَّ ما قَدْ قِيل للرسل} تشبيه بليغ.
والمعنى: إلا مثل ما قد قيل للرسل.
واجتلاب المضارع في {مَا يُقَال} لإِفادة تجدد هذا القول منهم وعدم ارعوائهم عنه مع ظهور ما شأنه أن يصدهم عن ذلك.