ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
سورة الشورى
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) }
وذكر الشيء مع ما يناسبه أيضًا واردٌ في موضعه، فمن ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ، لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} .
فإنه إنما قدم الإناث على الذكور من تقدمهم عليهن؛ لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى، وكفران الإنسان بنسيانه للرحمة السابقة عنده، ثم عقب ذلك بذكر ملكه، ومشيئته وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث؛ لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي هن من جملة ما لا يشاؤه الإنسان، ولا يختاره أهم، والأهم واجب التقديم، وليلي الجنس الذي كانت العرب تعده بلاء ذكر البلاء.
ولما أخر ذكر الذكور، وهم أحقاء بالتقديم، تدارك ذلك بتعريفه إياهم؛ لأن التعريف تنويه بالذكر، كأنه قال: يهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر، فقال:"ذكرانا وإناثا"، وهذه دقائق لطيفة قل من ينتبه لها، أو يعثر على رموزها. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...