فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 399204 من 466147

[من روائع الأبحاث]

(فصل قياس صفات الخالق على صفات المخلوقين كفر)

قال ابن الجوزي:

أصل كل محنة في العقائد قياس أمر الخالق على أحوال الخلق.

فإن الفلاسفة لما رأوا إيجاد شيء لا من شيء كالمستحيل في العادات قالوا بقدم العالم.

ولما عظم عندهم في العادة الإحاطة بكل شيء قالوا: إنه يعلم الجمل لا التفاصيل.

ولما رأوا تلف الأبدان بالبلاء أنكروا إعادتها. وقالوا الإعادة رجوع الأرواح إلى معادنها.

وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر.

فإن المجسمة دخلوا في ذلك لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون.

وكذلك تدبيره عز وجل. فإن من حمله على ما يعقل في العادات رأى ذبح الحيوان لا يستحسن، والأمراض تستقبح، وقسمة الغنى للأبله، والفقر للجلد العاقل أمراً ينافي الحكمة.

وهذا في الأوضاع بين الخلق. فأما الخالق سبحانه فإن العقل لا ينتهي إلى حكمته. بلى. قد ثبت عنده وجوده وملكه وحكمته.

فتعرضه بالتفاصيل على ما تجري به عادات الخلق جهل.

ألا ترى إلى أول المعترضين وهو إبليس كيف ناظر فقال {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} ، وقول خليفته وهو أبو العلاء المعري:

رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا

ونسأل الله عز وجل توفيقاً للتسليم، وتسليماً للحكيم {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} .

أترى نقدر على تعليل أفعاله فضلاً عن مطالعة ذاته؟.

وكيف نقيس أمره على أحوالنا؟.

فإذا رأينا نبينا صلى الله عليه وسلم يسأل في أمه وعمه فلا يقبل منه، ويتقلب جائعاً والدنيا ملك يده ويقتل أصحابه والنصر بيد خالقه، أوليس هذا مما يحير!.

فما لنا والاعتراض على مالك قد ثبتت حكمته واستقر ملكه.

(فصل قياس الغائبات على الحاضر تخليط للعقيدة)

تأملت سبب تخليط العقائد، فإذا هو الميل إلى الحس وقياس الغائبات على الحاضر.

فإن أقواماً غلب عليهم الحس، فلما لم يشاهدوا الصانع جحدوا وجوده، ونسوا أنه قد ظهر بأفعاله. وأن هذه الأفعال لا بد لها من فاعل.

فإن العاقل إذا مر على صحراء خالية ثم عاد وفيها غرس وبناء علم أنه لا بد من غارس، إذ الغرس لا يكون بنفسه ولا البناء.

ثم جاء قوم فأثبتوا وجود الصانع، ثم قاسوه على أحواله فشبهوا، حتى إن قائلهم يقول: في قوله: ينزل إلى السماء ينتقل، ويستدل بأن العرب لا تعرف النزول إلا الانتقال.

وضل خلق كثير في صفاته كما ضل خلق كثير في ذاته. فظن أقوام أنه يتأثر حين سمعوا أنه يغضب ويرضى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت