ومن لطائف ونكات تفسير الثعلبي:
سورة الشورى
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...(11)
المثل صلة ومجازه: ليس كهو شيء، فأدخل المثل توكيدا للكلام، كقوله: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ) وفي حرف ابن مسعود، فإن آمنوا بما آمنتم به وقال أوس بن حجر:
وقتلى كمثل جذوع النخيل ... يغشاهم مطر منهمر)
أي كجذوع، وقال آخر (سعد بن زيد) :
إذا أبصرت فضلهم ... كمثلهم في النّاس من أحد)
وقال آخر:
ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل)
وقيل: (الكاف) صلة مجازه: ليس مثله، كقول الراجز:
وصاليات ككما [[يؤثفين] ]
(فأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه، وقال آخر:
[[تنفي الغياديق على الطريق ... قلص عن كبيضة في نيق] ]
فأدخل الكاف مع عن.
(اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ(17)
(وَالْمِيزانَ) أي العدل عن ابن عباس وأكثر المفسرين.
مجاهد: هو الّذي يوزن به، ومعنى إنزال الميزان: إلهامه الخلق للعمل به، وأمره بالعدل والإنصاف، كقوله: (قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً) .
وقال علقمة: الميزان محمد صلّى الله عليه وسلم، يقضي بينهم بالكتاب.
(وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازها الوقت.
وقال الكسائي: إيتائها قريب.
(اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ(19)
سئل جنيد عن اللطيف، فقال: هو الّذي لطف بأوليائه حتّى عرفوه، فعبدوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه.
وقال محمد بن علي الكتاني: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا أيس من الخلق، توكل عليه ورجع إليه فحينئذ يقبله ويقبل عليه، وفي هذا المعنى أنشدنا أبو إسحاق الثعلبي، قال:
أنشدني أبو القاسم الحبيبي. قال أنشدني أبي، قال: أنشدني أبو علي محمد بن عبد الوهّاب الثقفي:
أمر بافناء القبور كأنّني ... أخو فطنة والثواب فيه نحيف
ومن شق فاه الله قدّر رزقه ... وربّي بمن يلجأ إليه لطيف
وقيل: اللطيف الّذي ينشر من عباده المناقب، ويستر عليه المثالب.
وقيل: هو الّذي يقبل القليل، ويبذل الجزيل.
وقيل: هو الّذي يجبر الكسير، وييسر العسير.
وقيل: هو الّذي لا ييأس أحد في الدنيا من رزقه، ولا ييأس مؤمن في العفو من رحمته.
وقيل: هو الّذي لا يخاف إلّا عدله، ولا يرجى إلّا فضله.