{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}
الاختلاف هو عدم التقاء الآراء في قضية ما، وينقسم الجمع إلى فريقين أو أكثر، كُلٌّ يؤيد رأيه ويعارض رأي الآخر، ويقابله الوفاق والآراء تختلف إما في نقاش جاد مُثمر يُراد منه الوصول للحقيقة، وإما جدل ولجاجة لا فائدةَ منها ومِراءٌ بالباطل.
لذلك يُعلمنا الحق سبحانه ماذا نفعل حين نختلف، أنْ نردَّ الأمر والحكم لله، لذلك لما اختلفوا مثلاً في الروح وسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] .
كذلك علَّمنا الحق سبحانه أدبَ الخلاف وألاَّ نتعجل في الحكم، وأن نبحثه بموضوعية، فقد يكون المختلفون متفقين في واقع الأمر وهم لا يعلمون وجه هذا الاتفاق،"ففي غزوة الأحزاب بعد أن عادت قريش إلى مكة، واليهود إلى أماكنهم أخبر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن اليهود هم سبب هذه الحرب، وأصل هذه البلوى، فاذهب إليهم ولا تخلع لباس الحرب، فذهب رسول الله إلى جيشه العائد من الحرب وقال لهم:"مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة"."
يريد الحرب، فعاد الصحابة وتوجَّهوا إلى بني قريظة، فدخل عليهم وقت المغرب وهم في الطريق فاختلفوا في صلاة العصر، فريق يقول يجب أن نصليها الآن قبل فوات وقتها، وفريق يقول: لا بل نصليها في بني قريظة كما أمر رسول الله.
إذن: رأى تعصَّب للزمان، ورأى تعصَّب للمكان، فمَنْ تعصَّب للزمان صلى في الطريق ومن تعصَّب للمكان صلى في بني قريظة، حتى إذا ما التقوْا برسول الله عرضوا عليه هذا الخلاف، فأقرَّ كلاّ منهم على رأيه، ولم يعارض هذا ولا ذاك.
إذن: كان اختلافاً شكلياً، وهم لا يدرون أنهم جميعاً على الحق، وأنهم في وفاق، إذن: حين نختلف علينا أنْ نردَّ الأمر إلى الله وإلى رسول الله، وأنْ نكون موضوعيين دون تعصُّب، هذا في الخلاف بين المؤمنين.