[من روائع الأبحاث]
(الدين توحيد:)
للشيخ/ محمد رشيد رضا
دروس جمعية شمس الإسلام (3)
(أمالي دينية - الدرس الثالث)
(7) الدين توحيد: بسم الله الرحمن الرحيم شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا
وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا
الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (الشورى: 13)
دين الله تعالى واحد يجب أن لا يكون فيه تفرق ولا اختلاف؛ لأنه إنما وضع
لإسعاد البشر، والسعادة إنما تكون في الاجتماع والتوحيد، لا في التفريق والتعديد
ومن فهم معنى الإنسان وشاهد تصرفه في الأكوان علم أنه خلق ليعيش مجتمِعًا لا
منفردًا، ومؤتلِفًا لا مختلِفًا، وهذا هو معنى الكلمة المشهورة: (الإنسان مدني الطبع)
فإذا جاء الدين على خلاف ما تقتضيه الفطرة كان شقاء لا سعادة، ومحنة لا
منحة، وأي جهول يجرؤ على أن يرمي دين الله بهذه النقيصة الكبرى والمَعَرَّة
الشنعاء؟
أول اجتماع بشري هو اجتماع الأسرة (العائلة) المؤلفة من أبينا آدم وأمنا
حواء - عليهما السلام - ومن أولادهما، وقد كان آدم نبيًّا يتلقى عن الله من الدين ما
يسوس به ذلك الاجتماع الصغير، وقد فسق بعض ولد آدم عن هدي والده فقتل أخاه
فكانت بذلك مخالفة الدين سُنَّة في الإنسان باقية إلى ما شاء الله، ثم اتسعت دائرة
الاجتماع فكانت الشعوب والقبائل والأقوام والأمم، وكان الله تعالى يرسل إلى كل
قوم نبيًّا {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} (فاطر: 24) يعلّم التوحيد ويدعو إلى
ما يتم به نظام الاجتماع من التهذيب والتأديب، وكانت آفة كل دين شرعه الله تعالى
لعباده اختلاف أهله فيه وتفرقهم إلى مذاهب متعددة يضلل أهل كل مذهب أتباع
المذهب الآخر، وينصرون مذهبهم ولو بالتأويل والتحريف، وينتهي ذلك
باضمحلال الدين وذهاب فائدته بالكلية، بصيرورته مشقيًا لذويه، مخزيًا لمجموع
متبعيه.
ولما استعد النوع الإنساني بمقتضى سُنة الارتقاء لاجتماع جميع أممه وشعوبه