واتصال بعضهم ببعض، وهبه الله تعالى الدين الأخير الذي ترشد تعاليمه إلى نظام
هذا الاجتماع الكبير، فجاء كتابه (القرآن) ينهى العالمين عن الاختلاف والتفرق
في الدين حيث كان ذلك هو الذي شتت شمل الغابرين، وجعلهم سلفًا ومثلاً للآخرين
سمعتم الآية الكريمة التي افتتحنا بها الدرس، وكيف صرحت بأن دين الله تعالى
على لسان جميع الأنبياء واحد لا ينبغي التفرق فيه، والمراد به أصول الدين
وقواعده العامة في الإيمان والتهذيب واجتماع الكلمة، وكون الأعمال الشخصية
دائرة على محور المنافع الشخصية، والمعاملات دائرة على محور المصالح
العمومية، وأما قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} (المائدة: 48)
فهو بيان للواقع، ومخصوص بفروع الأحكام التي تختلف باختلاف المصالح
والمنافع التي تتغير بحسب الأزمنة والأمكنة، بل مثل هذه الأحكام تتغير في
الشريعة الواحدة بمثل هذا التغير والاختلاف، ولذلك كان من أصول الشريعة
الإسلامية تحكيم العرف الذي تجري عليه الناس، ومثل هذا لا يعد اختلافًا وتفرقًا؛
لأنه تغيير في الصورة والعرَض لا في الحقيقة والجوهر، وفي المعنى اتفاق على
اجتناب المضار واجتلاب المنافع، وما هذا إلا لُباب الدين الذي تزداد به المحبة
وتنمو الألفة، ويكون أهله جسمًا واحدًا لا شيعًا مختلفة، وإنما نهى الله تعالى عن
التفرق الحقيقي الذي يجعل أهل الدين الواحد شيعًا مختلفة يتباغضون ويتحاسدون،
يتلاعنون ويتقاتلون، ويزعمون أنهم ينصرون بذلك الدين، ودين الله بريء منهم
أجمعين، بالغ القرآن في ذم هذا التفرق حتى قال: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء (الأنعام: 159) وحسبك تبرئة الله تعالى رسوله منهم
في كل شيء دليلاً على بعدهم عن دينه وتنائيهم عن مرضاته، وقال تعالى: وَلاَ
تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم (آل عمران: 105)
كان الخلفاء الراشدون وعلماء الصحابة وأكابر أئمة السلف يحافظون أشد