فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 398741 من 466147

(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)

سورة الشورى

{وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) }

وقد لفت القرآن إلى هذه القدرة في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} حيث جعل جري السفن الضخام على صفحة الماء من دلائل القدرة، والجري في البحر صفة كني بها عن موصوف هو السفن، وفي موضع آخر ذكر القرآن تهيئة أسباب الجري على صفحة الماء هي من خلقه تعالى وصنعته وحده، حيث قال: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} (الرحمن: 24) ففي قوله: {وَلَهُ} مِلكية الخلق والصنعة، كما صرح بذلك قوله - عز شأنه -: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (لقمان: 31) .

وفي الآيتين من سورة الشورى والرحمن كنَّى بصفة الجري عن السفينة؛ إيماءً إلى أن ضخامتها لم تحل دون جريها، وفي الآية من سورة القمر إيماء إلى أن مكوناتها رغم غوصها منفردة في الماء طفت على سطحه، فحمت نوحًا - عليه السلام - ومن معه من الغرق.

ومن الكناية عن الموصوف أيضًا: قول المتنبي يسترضي سيف الدولة على بني كلاب وقد أوقع بهم هزيمة منكرة رد بها تمردهم عليه:

ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب

فقد كنى عن المرأة بصفة هي كون الخضاب في يدها، وعن الرجل بصفة هي كون القناة في يده، هو يريد بهذه الصفة المكنى بها عن الموصوف بلوغهم في الضعف غاية لا غاية بعدها، حيث صار الرجل منهم كالمرأة في العجز عن مواجهة الحروب، مما يجعلهم أهلًا للصفح والعفو، وقد كان المتنبي شاعرًا قديرًا في تسخير الكناية عن الموصوف لما يرمي إليه، وكذا في التعبير عما يعتمل في نفسه ويضطرب في حناياه.

{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ... (40) }

فالمراد بالسيئة الثانية {سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الجزاء والقصاص الذي يتسبب عن السيئة الأولى، فهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب على سبيل المجاز المرسل، والمعنى: وجزاء من فعل سيئة أن يجازى عليها، فأطلق على المجازاة سيئة باعتبار أن السيئة سبب والمجازاة مسببة عنها، فأطلق السبب وأراد المسبب. من ذلك قول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلين

فالجهل معناه في اللغة السفاهة والحمق، وقد أراد عمرو بن كلثوم بالجهل المسند إليه الصادر منه جزاء المعتدين وعقوبتهم على جهلهم وسفاهتهم، فهو مجاز مرسل حيث عبر بالسبب وأراد المسبب.

{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) }

فالمراد ليس هو الصراط الذي تراه عينك طريقًا واضحًا مستقيمًا، وإنما المراد حقائق الدين ومنهج القرآن، وتجاوبه مع الفطرة الصحيحة، واستقامته في نفوس أهل الحق واليقين، كأنه طريق واضح يصف منهجًا بينا ويحدد المعالم تحديدًا مضيئًا، فالموقن بهذا الدين لا يبحث عن خطة يمضي في حياته عليها، وإنما الطريق بين يديه وهو طريق مستقيم، وما عليه إلا أن يمضي. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت