{وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}
البيئة المكيَّة كان بها كفار مكة وهم وثنيون يعبدون الأوثان، وكان فيها أهل كتاب يهود أو نصارى، وكان الخلاف بينهما قائماً ومستمراً، ومن غيظ أهل الكتاب من الكفار كانوا يقولون لهم: لقد أطلَّ زمانُ نبي منكم سيأتي ونتبعه ونقتلكم به قتْل عاد وإرم.
والحق سبحانه يخبر عن أهل الكتاب:
{وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ}
أي: محمد {كَفَرُواْ بِهِ .. } [البقرة: 89] .
نعم لقد بشرتْ الكتب السماوية بمجيء محمد وزمانه ومكانه، وكان أهل الكتاب يعرفونه وعندهم أوصافه، وقد اعترف منهم كثيرون بأن محمداً على الحق، وأنه نبي مرسل، ومن هؤلاء عبد الله ابن سلام.
الحق سبحانه يقول عنهم وعن معرفتهم لرسول الله بأوصافه:
{يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ .. } [البقرة: 146] لذلك يقول أحدهم: والله إني لأعرف محمداً كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ذلك لأن أوصافه مذكورة في كتبهم. ومع ذلك لما جاءهم بالحق كفروا به وعاندوه.
يقول تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ .. } [الشورى: 14] أي: العلم به في كتبهم التي بشَّرتْ به وذكرتْ أوصافه {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ .. } [الشورى: 14] وهي وعْده سبحانه بإمهالهم {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى .. } [الشورى: 14] هو يوم القيامة، {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ .. } [الشورى: 14] أي حُكِم بينهم بهلاك الكافرين واستئصالهم ونجاة المؤمنين، والحق سبحانه لم يقْضِ بإهلاكهم واستئصالهم، بل أخَّرهم لأنه سيكون منهم مَنْ يؤمن ويصير جندياً من جنود الحق.
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} [الشورى: 14] قوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَابَ .. } هم اليهود والنصارى المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ .. } [الشورى: 14] أي من كتابهم {مُرِيبٍ} [الشورى: 14] يدعو إلى الريبة والتردد والحيرة، ذلك لأنهم أخذوا في كتابهم مآخذ عدة أدت بهم إلى هذا الشك وإلى هذه الريبة.
أولاً: نَسُوا بعضه كما أخبر الحق عنهم: