[من روائع الأبحاث]
قال الخطيب الإسكافي:
سورة الشورى
قد مرت منها آيات شابهت الآيات التي في السورة قبلها، ومما لم يمر به:
الآية الأولى منها
قوله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} وقال قبله في سورة لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} .
للسائل أن يسأل: عما اقتضى توكيد الخبر باللام في سورة حم عسق في قوله:
{لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} وتركه في سورة لقمان.
الجواب أن يقال: إن ما رغب الله تعالى فيه عبده من الصبر على ما آلم قلبه من جناية جان عليه حتى يغفر لمن ظلمه، ويهب له من القصاص حقه ترغيب فيما يشق على الإنسان فعله، إلا أن الله تعالى حسنه بما وعد من عفا عما يجب له من الأجر الذي ضمنه، ففيه مع جزيل الثواب إصلاح ما بين عشيرته وعشيرة الجاني عليه بإطفاء الثائرة عنهما، وإذا كان هذا من أصعب ما يتحمله الإنسان، وجب من توكيد الكلام فيه ما لا يجب في غيره، فأدخلت اللام على: {مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} على معنى أنه من الأمور التي تحتاج إلى توطين النفس عليها، وتخير أرفعها وأعلاها، وليس كذلك ما في سورة لقمان لأنه قال: {وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصَابَكَ} وليس يختص صبرا على ظلم يلحقه فيرغب في العفو عن الظالم، بل تكون شدائد لا يهيج النفوس الانتصار فيها، ولا تدعو دواعي إلى الانتقام لها من الرزايا في الأنفس والأموال، وما يكون من قبل الله تعالى مما تعبدنا فيه بالصبر وليس لنا غيره فأما الموضع الذي أبيح فيه الانتصاف، فالصبر فيه أحق، وكظم