{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) }
جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إحْيَاءَ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا نَظِيرَ إحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ، وَإِخْرَاجَ النَّبَاتِ مِنْهَا نَظِيرَ إخْرَاجِهِمْ مِنْ الْقُبُورِ، وَدَلَّ بِالنَّظِيرِ عَلَى نَظِيرِهِ.
[فَصْلٌ: قِيَاسُ الدَّلَالَةِ]
وَأَمَّا قِيَاسُ الدَّلَالَةِ فَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ وَمَلْزُومِهَا؛ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39]
فَدَلَّ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ الْإِحْيَاءِ الَّذِي تَحَقَّقُوهُ وَشَاهَدُوهُ عَلَى الْإِحْيَاءِ الَّذِي اسْتَبْعَدُوهُ، وَذَلِكَ قِيَاسُ إحْيَاءٍ عَلَى إحْيَاءٍ، وَاعْتِبَارُ الشَّيْءِ بِنَظِيرِهِ؛ وَالْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ هِيَ عُمُومُ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَكَمَالُ حِكْمَتِهِ؛ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ دَلِيلُ الْعِلَّةِ.
{إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) }
(لطيفة)
قال ابن القيم:
أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ أَذِنْت لَك فِي الْخُرُوجِ إلَى الْحَمَّامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَتَهَيَّأَتْ لِلْخُرُوجِ إلَى الْحَمَّامِ، فَقَالَ لَهَا: اخْرُجِي وَابْصُرِي، فَاسْتَفْتَى بَعْضَ النَّاسِ، فَأَفْتَوْهُ بِأَنَّهَا قَدْ طَلُقَتْ مِنْهُ.
فَقَالَ لِلْمُفْتِي: بِأَيِّ شَيْءٍ أَوْقَعْت عَلَيَّ الطَّلَاقَ؟ قَالَ: بِقَوْلِك لَهَا اخْرُجِي، فَقَالَ: إنِّي لَمْ أَقُلْ لَهَا ذَلِكَ إذْنًا، وَإِنَّمَا قُلْته تَهْدِيدًا، أَيْ: إنَّك لَا يُمْكِنُك الْخُرُوجُ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] فَهَلْ هَذَا إذْنٌ لَهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا مَا شَاءُوا؟
فَقَالَ: لَا أَدْرِي، أَنْتَ لَفَظْت بِالْإِذْنِ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَدْت الْإِذْنَ.
فَلَمْ يَفْقَهْ الْمُفْتِي هَذَا، وَغَلُظَ حِجَابُهُ عَنْ إدْرَاكِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...