وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني:
سورة فصلت
{ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ... (28) }
فإن قلت: فما تقول في نحو قولهم: «لقيت به أسدا» و «رأيت منه ليثا» .
فإنه مما لا وجه لتسميته استعارة، ألا تراهم قالوا: «لئن لقيت فلانا ليلقينّك منه الأسد» ، فأتوا به معرفة على حدّه إذا قالوا: «احذر الأسد!» ، وقد جاء على هذه الطريقة ما لا يتصوّر فيه التشبيه، فظنّ أنّه استعارة، وهو قوله عز وجل: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ}
والمعنى: والله أعلم أنّ النّار هي دار الخلد، وأنت تعلم أن لا معنى هاهنا لأن يقال: «إن النار شبّهت بدار الخلد» ، إذ ليس المعنى على تشبيه النّار بشيء يسمّى «دار الخلد» ، كما تقول في زيد: «إنه مثل الأسد» ، ثم تقول: «هو الأسد» ، وإنما هو كقولك: «النار منزلهم ومسكنهم» ، نعوذ بالله منها.
{إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتى (39) }
جعل خضرة الأرض ونضرتها وبهجتها بما يظهره الله تعالى فيها من النّبات والأنوار والأزهار وعجائب الصنع، حياة لها، فكان ذلك مجازا في المثبت، من حيث جعل ما ليس بحياة حياة على التشبيه، فأما نفس الإثبات فمحض الحقيقة، لأنه إثبات لما ضرب الحياة مثلا له فعلا لله تعالى، لا حقيقة أحقّ من ذلك. انتهى انتهى {دلائل الإعجاز، للجرجاني} ...