{حم} [غافر: 1] ، يشير إلى القسم بسر بينه وبين حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وذلك أن الحاء والميم هما حرفان من وسط اسم الله وهو رحمان، وحرفان من وسط اسم حبيبه وهو محمد، كما أن الحرفين سر اسميهما، فهما يشيران إلى أن القسم بسر كان بينهما أن {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ} [غافر: 2] الذي معز لأوليائه {الْعَلِيمِ} [غافر: 2] ، بما صدر منهم إلى أعز أوليائه به، {غَافِرِ الذَّنبِ} [غافر: 3] لهم ما يتوب عليهم، {وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3] بأن يوفقهم الإخلاص في التوبة؛ لأنهم مظهر صفات لطفه، {شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: 3] لمن لا يؤمن ولا يتوب؛ لأنهم مظهر صفات قهره، {ذِي الطَّوْلِ} [غافر: 3] لعموم خلقه بالإيجاد من العدم، وإعطاء الحياة والرزق بالكرم، وأيضاً {غَافِرِ الذَّنبِ} [غافر: 3] لظالمهم، {وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3] لمقصدهم، {شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: 3] لمشركهم، {ذِي الطَّوْلِ} [غافر: 3] لسابقهم، ولما كانت من سنة كرمه أن سبقت رحمته غضبه، غلبت ها هنا أسامي صفات لطفه على اسم صفة قهره؛ بل من عواطف إحسانه ومراحم طوله وإنعامه جعل صفة اسم قهره بين ثلاثة أسماء من صفات لطفه فصار {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 19 - 20] ، فإذا هبت رياح العناية من مهب الهداية ويتموج البحرين فيتلاشى البرزخ باصطكاك البحرين، ويصير الكل بحراً واحداً، وهو بحر {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر: 3] ، فإذا كان إليه المصير فقد طاب المصير.