{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ}
استئناف رابع بعد اسئتناف جملة {هُوَ الحَيُّ} [غافر: 65] وما تفرع عليها، وكلها ناشئ بعضه عن بعض.
وهذا الامتنان بنعمة الإِيجاد وهو نعمة لأن المَوجُود شرف والمعدوم لا عناية به.
وأدمج فيه الاستدلال على الإبداع.
وتقدم الكلام على أطوار خَلق الإنسان في سورة الحج، وتقدم الكلام على بعضه في سورة فاطر.
والطفل: اسم يصدق على الواحد والاثنين والجمع، للمذكر والمؤنث قال تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} [النور: 31] وقد يطابق فيقال: طفل وطفلان وأطفال.
واللامات في قوله: {ثُمَّ لِتَبْلُغوا أشُدَّكُم} وما عطف عليه بـ (ثم) متعلقات بمحذوف تقديره: ثم يبقيكم، أو ثم ينشئكم لتبلغوا أشدكم، وهي لامات التعليل مستعملة في معنى (إلى) لأن الغاية المقدرة من الله تشبه العلة فيما يفضي إليها، وتقدم نظيره في سورة الحج.
وقوله: {ولتبلغوا أجَلاً مُسَمَّى} عطف على {لِتَكُونُوا شُيُوخاً} أي للشيخوخة غاية وهي الأجلُ المسمّى أي الموت فلا طور بعد الشيخوخة.
وأما الأجل المقدّر للذين يهلِكون قبل أن يبلغوا الشيخوخة فقد استفيد من قوله: {وَمِنكم مَّن يُتَوفَّى مِن قَبْلُ} أن من قبل بعض هذه الأطوار، أي يتوفى قبل أن يخرج طفلاً وهو السقط أو قبل أن يبلغ الأشدّ، أو يتوفّى قبل أن يكون شيخاً.
ولتعلقه بما يليه خاصة عطف عليه بالواو ولم يعطف بـ (ثم) كما عطفت المجرورات الأخرى، والمعنى: أن الله قدّر انقراض الأجيال وخَلَقَهَا بأجيال أخرى، فالحي غايته الفناء وإن طالت حياته، ولمّا خلقه على حالة تؤول إلى الفناء لا محالة كان عالماً بأن من جملة الغايات في ذلك الخلققِ أن يَبلغوا أجلاً.
وبُني {قبل} على الضم على نية معنى المضاف إليه، أي من قبل ما ذُكر.