(فصل)
قال الحَلِيمي:
فأما الكواكب فلا يمكن أن تكون مدبرة لهذا العالم لأنها مدبرة، وفي هذا بيان أنها غير موكولة إلى نفسها، فكيف يكون غيرها موكلاً إليها؟
ألا ترى أنها تكون مستقيمة السير حالاً، ولا سبيل لها في تلك الحلل إلى أن تكون راجعة، وتكون راجعة حالاً، ولا سبيل لها في تلك الحال إلى أن تكون مستقيمة وزائدة السير مرة وناقصة أخرى، وسالمة تارة ومحرقة أخرى، ولا سبيل لها إذا كانت على حال وقتاً إلى أن تكون فيه على خلافها، وكل ذلك يدل على أنها غير موصوفة بتدبير أنفسها، فدل ذلك على أنها من الوصف بتدبير غيرها أبعد.
وأيضاً فإن التدبير إنما يكمل له الحي القادر، والكواكب بمعزلة عن هذه الأوصاف، فلا يمكن أن تكون مدبرة، والدليل على خلوها عن الحياة، لزوم التسخير إياها حسب لزوم إحراق النار، والترطيب بالماء.
والله جل جلاله إذا أشعر الحياة خلقاً أشعره أثرها وهو الإرادة والاختيار، فلما لم يكن للكواكب في سيرها واستقامتها ورجوعها واحتراقها وغير ذلك من أحوالها اختيار علمنا أنها ليست بحية، والفلك نفسه ليست توجل الحركة الدائمة منه اختياراً، ولا سبيل له إلى السكون، فعلمها أنها مسخرة حية مريدة مختارة، فانا موصوفة بالملائكة لا يختلف حالهم في طاعة الباري جل جلاله، فلا يدل ذلك على أنهم ليسوا بأحياء، ولكنهم أموات مسخرون.
قلنا: وجود الخلاف فيهم ممكن عندنا، وقد كان ذلك فيما اقتضه الله جل ثناؤه علينا في شأن آدم إلا أنهم قاموا بعد، ورجعوا إلى ما كان أولى بهم.
فثبت أنهم مختارون للطاعة على المعصية بفضل ما عندهم من المعرفة، وفي أنفسهم من المخافة، وتلك الطاعة لهم عبادة.
ومن يخالفنا لا يقول: إن حركات الأفلاك والكواكب عبادة منها وطاعة، ولا يمكنه أن يدعي ذلك أبداً، فأنى يجوز له أن يناقضنا بالملائكة، وأيضاً فإن سيرها في أفلاكها إنما هو كما ركب الله في ذلك السير من منافع غيرها به فهو يجري الماء في الأنهار، وليس ذلك إلا من قبل الاختيار، ولا هو عبادة للماء ولا طاعة منه، فكذلك تسير الكواكب في أفلاكها.
فإن قال: كيف يجوز أن تكون تلك الأجسام العلوية على شرفها وفضلها [[مبرأة] ] بما أوتيته الأجسام السفلية من صفات الحياة والسمع والبصر، بل إذا كانت هذه في انحطاط أقدارها على أقدار العلوية مكرمة بهذه الصفات، فالعلوية أولى وأحق بأن تكون مكرمة بها؟