(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(طائفة من عبقرياتهم في العداوات)
قال البرقوقي:
الاحتراسُ من غرس العداوة
جاء في كليلة ودمنة: لا ينبغي للعاقل أن تحملَه ثِقتُه بِقوَّته على أن يَجْترَّ العَداوة، كما لا يَجبُ لِصاحبِ التِّرْياقِ أنْ يَشْربَ السُّمَّ اتّكالاً على أدْويتِه.
وقالوا: احْذَرْ معاداةَ الرجالِ فالناس رَجُلان: عاقلٌ فاحْذَرْ خَتْلَه، وأحْمَقُ فاحْذَرْ حُمْقَه.
وسيمر عليك كثير من عبقرياتهم في هذا المعنى في كتاب الإخوانيات والأصدقاء والصداقة.
نَهْيُهم عَنِ الاغترارِ بالوُدّ تُسْتَبطنُ معه العداوةُ
دخل سُدَيْفٌ مولى أبي العباس السفاح على أبي العباس أميرِ المؤمنين وعنده سليمانُ بن هِشام بْنِ عبد الملك وقد أدناه وأعطاه يدَه فقبَّلها، فلمّا رأى ذلك سُدَيْفٌ أقبل على أبي العباس وقال:
جَرِّدِ السَّيْفَ وارْفَعِ العَفْوَ حتّى ... لا تَرى فوقَ ظَهْرِها أمَوِيّاً
لا يغرَّنْك ما تَرى مِنْ أناسٍ ... إنَّ تحتَ الضُّلوعِ داءً دَوِيّاً
فأقبل عليه سُليمانُ فقال: قَتلْتَني أيُّها الشيخ قتلكَ اللهُ وقام أبو العباس فدَخل، فإذا المنديلُ قد ألقيَ في عُنُقِ سليمان، ثم جُرَّ فقُتِل.
ودخل شِبْلُ بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن عليّ، وقد أجْلسَ ثمانينَ رجُلاً من بني أمَيّةَ على سُمُطِ الطعام، فمثَل بين يديه وقال:
أصْبَحَ المُلكُ ثابتَ الآساسِ ... بالبَهاليلِ مِنْ بَني العبّاسِ
طَلَبوا وِتْرَ هاشِمٍ فَشَفَوْها ... بَعْدَ مَيْلٍ من الزَّمانِ وياسِ
لا تُقيلَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ عِثاراً ... واقْطَعَنْ كُلَّ رَقْلةٍ وَأواسي
ذُلُّها أظْهَرَ التودُّدَ مِنْها ... وبِها مِنْكُمُ كَحَزِّ المَواسي
ولقَدْ غاظَني وغاظَ سَوائي ... قَرْبُهُمْ مِنْ نَمارِقٍ وكَراسي
أنْزِلوها بِحيثُ أنْزَلَها اللهُ بِدارِ الهَوانِ والإتعاسِ
واذْكُروا مَصْرَعَ الحُسَيْن وزيداً ... وقتيلاً بِجانِبِ المِهْراسِ
والقتيلَ الّذي بِحرَّانَ أضْحى ... ثاوِياً بَيْنَ غُرْبةٍ وتناسِ
نِعْمَ شِبْلُ الهِراشِ مَوْلاك شِبْلٌ ... لَوْ نَجا مِنْ حَبائِلِ الإفلاسِ
فأمَرَ بهم عبدُ الله، فشُدِخوا بالعَمَدِ، وبُسِطَتْ عليهم البُسُط، وجُلِس عليها ودَعا بالطعام وإنه ليَسْمعُ أنينَ بعضهم حتّى ماتوا جميعاً، ولمّا فرَغَ من الأكلِ قال: ما أعْلَمني أكلتُ أكلةً قطُّ أهنأَ ولا أطيبَ لنفسي منها!