{وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}
عطف على جملة {ويَوْمَ نَحْشُر أَعْدَاءَ الله} [فصلت: 19] ، وذلك أنه حُكي قولهم المقتضي إعراضهم عن التدبر في دعوة الإيمان ثم ذكر كفرهم بخالق الأكوان بقوله قُل أينكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين [فصلت: 9] ثم ذكر مصيرهم في الآخرة بقوله ويوم نحشر أعداء الله ثم عقب ذلك بذكر سبب ضلالهم الذي نشأتْ عنه أحوالهم بقوله: وَقَيَّضنا لَهُم قُرَنَاءَ.
وتخلل بين ما هنالك وما هنا أفانين من المواعظ والدلائل والمنن والتعاليم والقوارع والإيقاظ.
وَقَيَّض: أَتاح وهيَّأ شيئاً للعمل في شيء.
والقرناء جَمْعُ: قرين، وهو الصاحب الملازم، والقرناء هنا: هم الملازمون لهم في الضلالة: إمَّا في الظاهر مثلُ دعاة الكفر وأيمتِه، وإما في باطن النفُوس مثلُ شياطين الوسواس الذين قال الله فيهم: {ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطاناً فهو له قرين} ويأتي في سورة الزخرف (36) .
ومعنى تقييضهم لهم: تَقديرهم لهم، أي خَلْق المناسبات التي يتسبب عليها تقارن بعضهم مع بعض لتناسب أفكار الدعاةِ والقابلين كما يقول الحُكماء"استفادة القابل من المبدإ تتوقف على المناسبة بينهما".
فالتقييض بمعنى التقدير عبارة جامعة لمختلف المؤثرات والتجمعات التي توجب التآلف والتحابّ بين الجماعات، ولمختلف الطبائع المكوَّنَةِ في نفوس بعض الناس فيقتضي بعضها جاذبيةَ الشياطين إليها وحدوثَ الخواطر السيئة فيها.
وللإِحاطة بهذا المقصود أُوثر التعبير هنا بـ {قيضنا} دون غيره من نحو: بَعثنا، وأرسلنا.
والتزيين: التحسين، وهو يشعر بأن المزيَّن غير حسن في ذاته.
و {مَّا بَيْنَ أيْدِيهِم} يستعار للأمور المشاهدة، وما خلفهم يستعار للأمور المغيبة.