المحافظة على عِقد الدين أن يتناثر بالخلاف والشقاق، ويحذرون على وحدة الإسلام
أن تثلم بالتمذهب والافتراق، فما ظهر للبدعة نبت إلا حصدوه، ولا نَجَم في
رءوس الفتنة قرن إلا قلعوه، وناهيكم بما فعل سيدنا عمر بصبيغ التميمي، وما كان
الأئمة يجيبون به من يسأل عن المتشابه وتأويل القرآن من الزجر والنهر حتى رزئ
الإسلام بفتنة الخلافة التي كانت ينبوع الفتن وبركان الإحن.
فعمَّ البلاءُ الخلفاء والعلماء والملوك والأمراء، وانقسم المسلمون إلى مذاهب،
وظهر فيهم تأويل قوله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْض} (الأنعام: 65) وغلا بعضهم حتى صاروا أبعد عن الدين من سائر المشركين،
واشتعلت بينهم نيران الحروب فكانوا عونًا لأعدائهم على امتصاص دمائهم وتمزيق
أشلائهم، وهدم بنياتهم وأضعاف سلطانهم، وأخص بالذكر الفرقتين العظيمتين أهل
السنة والشيعة اللتين لا ينظر في تاريخهما عارف بحقيقة الدين وغيور على
المسلمين إلا ويتفطر فؤاده من الغم، ويرسل الدمع ممزوجًا بدم؛ لأن مثار الخلاف
بينهما مسألة فرعية ذهب وقتها وذهبت فائدة ظهور الصواب فيها بحيث لا مبعث
للتنازع ولا مجال للتقاطع لو أنصف الفريقان وتعاملوا معاملة الإخوان التي يوجبها
عليهم القرآن الذي يذعن له الاثنان. اشتد كل فريق في مجادلة الآخر ومجالدته،
ومناهضته ومواثبته، ولو سلكوا طريق القرآن لوضح الحق واستبان.
أمر الله نبيه أن يحاج المشركين بمثل قوله: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا
أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سبأ: 24 - 25) أين هذا التلطف في الدعوة إلى
الحق الذي أسند به النبي - بأمر الله - الإجرام إلى نفسه والمؤمنين مجاراة
للمشركين وحكاية لألفاظهم، وسمى به شركهم عملاً، ولم يصفه بكلمة ذم لئلا ينفروا
من سماع الحق؟ أين هذا مما جرى عليه المسلمون مع إخوتهم في الدين حيث
يسمع أحدهم عن الآخر كلمة يريها إياها فهمه السقيم أو السليم خطأ فيملأ عليه