ونسوا أن صفته تعالى قديمة لا يحدث منها شيء.
وضل خلق في أفعاله فأخذوا يعللون فلم يقنعوا بشيء فخرج منهم قوم إلى أن نسبوا فعله إلى ضد الحكمة تعالى عن ذلك.
ومن رزق التوفيق فليحضر قلبه لما أقول:
اعلم أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، وصفاته ليست كالصفات، وأفعاله لا تقاس بأفعال الخلق.
أما ذاته سبحانه فإنا لا نعرف ذاتاً إلا أن تكون جسماً وذاك يستدعي سابقة تأليف، وهو منزه عن ذلك، لأنه المؤلف، وإما أن يكون جوهراً فالجوهر متحيز، وله أمثال، وقد جل عن ذلك، أو عرضاً، فالعرض لا يقوم بنفسه بل بغيره، وقد تعالى عن ذلك.
فإذا أثبتنا ذاتاً قديمة خارجة عما يعرف، فليعلم أن الصفات تابعة لتلك الذات، فلا يجوز لنا أن نقيس شيئاً منها على ما نفعله ونفهمه، بل نؤمن به ونسلمه.
وكذلك أفعاله، فإن أحدنا لو فعل فعلاً يجتلب به نفعاً ولا يدفع عنه ضراً عد عابثاً. وهو سبحانه أوجد الخلق لا لنفع يعود إليه، ولا لرفع ضر إذ المنافع لا تصل إليه والمضار لا تتطرق عليه.
فإن قال قائل: إنما خلق الخلق لينفعهم؟
قلنا: يبطله، إنه خلق منهم للكفر وعذبهم.
ونراه يؤلم الحيوان والأطفال، ويخلق المضار، وهو قادر أن لا يفعل ذلك.
فإن قال قائل: إنه يثيب على ذلك؟
قلنا: وهو قادر أن يثيب بلا هذه الأشياء، فإن السلطان لو أراد أن يغني فقيراً فجرحه ثم أغناه ليم على ذلك، لأنه قادر أن يغنيه بلا جراح.
ثم من يرى ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه من الجوع والقتل مع قدرة الناصر، ثم يسأل أمه فلا يجاب، ولو كان المسؤول بعضنا قلنا لم تمنع ما لا يضرك؟.
غير أن الحق سبحانه لا تقاس أفعاله على أفعالنا ولا تعلل.
والذي يوجب علينا التسليم أن حكمته فوق العقل، فهي تقضي على العقول، والعقول لا تقضي عليها.
ومن قاس فعله على أفعالنا غلط الغلط الفاحش؛ وإنما هلكت المعتزلة من هذا الفن.
فإنهم قالوا: كيف يأمر بشيء ويقضي بامتناعه؟ ولو أن إنساناً إلى داره ثم أقام من يصد الداخل لعيب.
ولقد صدقوا فيما يتعلق بالشاهد. فأما من أفعاله لا تعلل ولا يقاس يشاهد، فإنا لا نصل إلى معرفة حكمته.
فإن قال قائل: فكيف يمكنني أن أقود عقلي إلى ما ينافيه. قلنا: لا منافاة، لأن العقل قد قطع بالدليل الجلي أنه حكيم، وأنه مالك، والحكيم لا يفعل شيئاً إلا الحكمة، غير أن الحكمة، لا يبلغها العقل.