فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 399206 من 466147

ألا ترى أن الخضر خرق سفينة وقتل شخصاً، فأنكر عليه موسى عليهما السلام بحكم العلم ولم يطلع على حكمة فعله، فلما أظهر له الحكمة أذعن، ولله المثل الأعلى.

فإياك إياك أن تقيس شيئاً من أفعاله على أفعال الخلق، أو شيئاً من صفاته أو ذاته سبحانه وتعالى فإنك إن حفظت هذا سلمت من التشبيه الذي وقع فيه من رأى الاستواء اعتماداً، والنزول نقلة، ونجوت من الاعتراض الذي أخرج قوماً إلى الكفر حتى طعنوا في الحكمة.

وأول القوم إبليس، فإنه رأى تقديم الطين على النار ليس بحكمة، فنسي أنه إنما علم ذلك بزعمه بالفهم الذي وهب له، والعقد الذي منحه، فنسي أن الواهب أعلم {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} .

ولقد رأيت لابن الرومي اعتراضاً على من يقول بتخليد الكفار في النار. قال: إن ذلك التأبيد مزيد من الانتقام ينكره العقل، وينبغي كل ما يقوله العقل، ولا يرد بعضه إذ ليس رد بعضه بأولى من رد الكل، وتخليد الكفار لا غرض فيه للمعذب ولا للمعذب فلا يجوز أن يكون.

فقلت العجب من هذا الذي يدعي وجود العقل ولا عقل عنده.

وأول ما أقول له: أصح عندك الخبر عن الخالق سبحانه أنه أخبر بخلود أهل النار أم لم يصح؟.

فإن كان ما صح عنه فالكلام إذن في إثبات النبوة وصحة القرآن، فما وجه ذكر الفرع مع جحد الأصل؟.

وإن قال قد ثبت عندي فواجب عليه أن يتمحل لإقامة العذر، إلا أن يقف في وجه المعارضة.

وإنما ينكر هذا من يأخذ الأمر من الشاهد، وقد بينا أن ذات الحق كالذوات وأن صفته لا كالصفات، وأن أفعاله لا تعلل.

ولو تلمح شيئاً من التعليل لخلود الكفار لبان، إذ من الجائز أن يكون دوام تعذيبهم لإظهار صدق الوعيد. فإنه قال: من كفر بي خلدته في العذاب ولا جناية كالكفر ولا عقوبة كدوام الإحراق فهو يدوم ليظهر صدق الوعيد.

ومن الجائز أن يكون ذلك لتتمة تنعيم المؤمنين فإنهم أعداء الكفار. وقد قال سبحانه {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} .

وكم من قلق في صدر، وحنق على أبي جهل فيما فعل، وكم من غم في قلب عمار وأمه سمية وغيرهم من أفعال الكفار بهم فدوام عذابهم شفاء لقلوب أهل الإيمان.

ومن الجائز أن يدوم العذاب لدوام الاعتراض وذكر المعذب بما لا يحسن، فكلما زاد عذابهم زاد كفرهم واعتراضهم فيهم يعذبون لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت