قال - عليه الرحمة:
{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا}
يُريهم آياتِ فَضْلِه فيما يُلاطِفُهم، ويريهم آياتِ قَهْرِه فيما يكاشفهم، ويريهم آياتِ عَفْوِه إذا تَنَصَّلُوا، وآياتِ جوده إذا توسَّلُوا، وآياتِ جلالِه إذا هابوا فغابوا، وآياتِ جمالِه إذا آبوا واستجابوا. {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقاً} لأبدانكم وهو توفيق المجاهدات، ولقلوبكم وهو تحقيق المشاهدات، ولأسراركم وهو فنون المواصلات والزيادات.
{وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} : يرجع من العادة إلى العبادة، ومن الشَّكِّ إلى اليقين، ومن الخَلْقِ إلى الحقِّ، من الجهل إلى العِلْم، ومن النَّكرة إلى العرفان.
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)
شَرْطُ الدعاء تقديم المعرفة لتعرفَ من الذي تدعوه، ثم تدعو بما تحتاج إليه مِمَّا لا بُدَّ لك منه، ثم تنظر هل أعطاكَ ما تطلب وأنت لا تدري؟ والواجبُ ألا تطلب شيئاً تكون فيه مخالفةٌ لأمره، وأن تتباعد عن سؤالك الأشيئاء الدَّنِيَّة والدنيوية، وأن ترضى بما يختاره لك مولاك. ومن لإخلاص في الدعاء ألا ترى الإجابة إلاّ منه، وألا ترى لنفسك استحقاقاً إلا بفضله، وأن تعلم أنه إن بقيت سؤالك عن مطلوبك - الذي هو حَظُّكَ - لا تَبْق عن عبادة ربِّك - التي هي حَقُّه"فإنَّ الدعاء مُخُّ العبادة"ومن الإخلاص في الدعاء أن تكون في حال الاضطرار لما لا يكون ابتداؤه جُرْماً لك، وتكون ضرورتُك لسراية جنايتك.
رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)