وفسر المقام الروحاني بما تدركه الروح من المعارف الإلهية وتشاهده من رضوان الله تعالى وعنايته القدسية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
وتعقب بأن هذا أن عد من بطون القرآن العظيم فلا كلام وإلا فحمل الجنة على مثل ذلك مما لا تعرفه العرب ولا ينبغي أن يفسر به ، على أنه ربما يقال: يرد عليه أنه يقتضي أن لكل أحد أن يصل إلى مقام روحاني من مقاماتها مع أن منها ما يخص الأنبياء المكرمين والملائكة المقربين ، والظاهر أنه لا يصل إلى مقاماتهم كل أحد من العارفين فافهم ولا تغفل {فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} من كلام الداخلين عند الأكثر والمخصوص بالمدح محذوف أي هذا الأجر أو الجنة ، ولعل التعبير بأجر العاملين دون أجرنا للتعريض بأهل النار أنهم غير عاملين ، وقال مقاتل: هو من كلام الله تعالى.
{وَتَرَى الملائكة حَافّينَ} أي محدقين من الحفاف بمعنى الجانب جمع حاف كما قال الأخفش ، وقال الفراء: لا يفرد فقيل: أراد أن المفرد لا يكون حافاً إذ الإحداق والإحاطة لا يتصور بفرد وإنما يتحقق بالجمع ، وقيل: أراد أنه لم يرد استعمال مفرده.
وأورد على الأول أن الإحاطة بالشيء بمعنى محاذاة جميع جوانبه فتتصور في الواحد بدورانه حول الشيء فإنه حينئذٍ يحاذي جميع جوانبه تدريجاً فيكون الحفوف بمعنى الدوران حوله أو يراد بكونه حافاً أنه جزء من الحاف وله مدخل في الحفوف ، ولو صح ما ذكر لم يصح أن يقال: طائف أو محدق أو محيط أو نحوه مما يدل على الإحاطة.