{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ}
وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه} أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء {ينابيع} مثل الدم في العروق.
والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض. وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف. وقوله {ثم يخرج} على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض {ثم يهيج} أي يتم جفافه. قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب {ثم يجعله حطاماً} أي فتاتاً متكسراً {إن في ذلك} الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه {لذكرى} لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع {لأولي الألباب} وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء. وإنما قال ههنا {ثم يجعله حطاماً} وفي الحديد {ثم يكون حطاماً} [الحديد: 20] لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله {أعجب الكفار نباته} وههنا مسند إلى الله من قوله {أنزل} إلى آخره. وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} ولا يخفى ما في لفظه"على"من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله {أولئك على هدى} [البقرة: 5] والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله {أمن هو قانت} يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} أي من أجل سماع القرآن. وإنما عدى ب"من"لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون"من"للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، بعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة. ثم أكد وصف القرآن وكيفية