ثم قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض} ، أي: أنزل من السماء مطراً فأجراه عيوناً.
قال الحسن: هو العيون، وقال الشعبي: كل عين في الأرض من السماء نزل ماؤها.
وقيل، المعنى: أنزل من السماء مطراً فأدخله في الأرض فجعله البنابيع، أي: عيوناً.
والمعنى كالأول سواء، وواحد الينابيع ينبوع.
ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لأُوْلِي الألباب} ، أي: إن في فعل ذلك والقدرة عليه لتذكرة وموعظة لأصحاب العقول فيعلمون أن من قدر على ذلك لا يتعذر عليه ما شاء من إحياء الموتى وغير ذلك.
ثم قال {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} ، أي: يخرج بالماء أنواعاً من الزرع من بين شعير وحنطة وسمسم وأرز ونحو ذلك من الأنواع، هذا قول الطبري واختياره.
وقال غيره: معنى مختلفاً ألوانه: أخضر وأسود وأصفر وأبيض.
وقوله: {ثُمَّ يَهِيجُ} ، أي: يجف عند تمامه.
قال الأصمعي: يقال للنبات إذ تمّ، قد هاج يهيج هيجاً.
وحكى المبرد عنه: هاجت الأرض تهيج إذا إدبر نبتها وولّى.
وقوله: {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} ، أي: قد يبس فصار أصفر بعد خضرته ورطوبته ..
{ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} ، أي: فتاتاً، يعني: تبن الزرع والحشيش.
قوله تعالى ذكره: {أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} - إلى قوله - {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .
في هذه الآية حذف واختصار لدلالة الكلام عليه على مذاهب العرب.
والتقدير: أفمن شرح الله صدره فاهتدى، كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته. ثم بيّن ذلك بقوله: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله} ، أي: عن ذكر الله عز وجل فلا يثبت ذكر الله سبحانه فيها.
وقيل: الجواب والخبر: {أولئك فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} .
وقوله: {فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} معناه: على بصيرة ويقين من توحيد ربه.
ويروى أن قوله: {أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} نزلت في حمزة وعليّ رضي الله عنه.
وقوله: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله} نزلت في أبي لهب وولده قال قتادة: {فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} ، يعني به: كتاب الله عز وجل، المؤمن به يأخذ وإليه ينتهي.
"وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالو له:"أَوَ يَنْشَرِحُ القَلْبُ"!؟"
قال: نَعَمْ. إذاَ أَدْخَلَ الله فِيهِ النُّورَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ.
قالوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مشنْ عَلاَمَةٍ تُعْرَف؟
قال: نَعَمْ، التَّجَافي عَنْ دَارِ الغُروُرِ، وَالإِنَابَةِ إِلَى دَارِ الخُلُودِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ"."
قال المبرد، يقال: (قسا وعتا) إذا صلب، وقلب قاس لا يلين ولا يرق.
فالمعنى: فويل للذين جَفَتْ قلوبهم عن قبول ذكر الله عز وجل وهو القرآن فلم
يؤمنوا به ولا صدّقوه.
قال الطبري:"مِنْ"هنا، بمعنى:"عن"، أي: عن ذكر الله.