{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) }
(فائدة)
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّمَا سَمَّاهُمْ عِبَادَهُ إِذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَتِهِ، وَأَنَابُوا إِلَيْهِ، وَاتَّبَعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِنْ عَبِيدِ الْإِلَهِيَّةِ وَالطَّاعَةِ.
(فصل)
إنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح يقدر أو يخطر ببال أو يدور في خلد وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة الموقوفة على وجود ما يتاب منه وما يتوقف عليه الشيء لا يوجد بدونه فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولا ريب أن وجود الفرح أكمل من عدمه فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه.
وقد نبه أعلم الخلق بالله على هذا المعنى بعينه حيث يقول في الحديث الصحيح:
"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم"
فلو لم يقدر الذنوب والمعاصي فلمن يغفر؟ وعلى من يتوب؟ وعمن يعفو ويسقط حقه؟ ويظهر فضله وجوده وحلمه وكرمه؟ وهو واسع المغفرة.
فكيف يعطل هذه الصفة؟ أم كيف يتحقق بدون ما يغفر؟ ومن يغفر له؟ ومن يتوب وما يتاب عنه؟
فلو لم يكن في تقدير الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده لكفى به حكمة وغاية محمودة.
فكيف والحكم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر بالبال.
وكان بعض العباد يدعو في طوافه
"اللهم اعصمني من المعاصي، ويكرر ذلك."
فقيل له في المنام أنت سألتني العصمة وعبادي يسألوني العصمة، فإذا عصمتكم من الذنوب فلمن أغفر؟ وعلى من أتوب؟ وعمن أعفو؟""
[فَصْلٌ: هَلِ الْمُطِيعُ الَّذِي لَمْ يَعْصِ خَيْرٌ مِنَ الْعَاصِي الَّذِي تَابَ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا، أَوْ هَذَا التَّائِبُ أَفْضَلُ مِنْهُ؟]
اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ.
فَطَائِفَةٌ رَجَّحَتْ مَنْ لَمْ يَعْصِ عَلَى مَنْ عَصَى وَتَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَاحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَكْمَلَ الْخَلْقِ وَأَفْضَلَهُمْ أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ، وَهَذَا الَّذِي لَمْ يَعْصِ أَطْوَعُ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ.