(فصل)
قال السُّهْرَوَرْدي:
{فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) }
قيل أحسنه: أي أهداه وأرشده، وقال عز وجل: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ} (المائدة: الآية 83)
هذا السماع هو السماع الحق - الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل الإيمان - محكوم لصاحبه بالهداية واللب، وهذا سماع ترد حرارته على برد اليقين فتفيض العين بالدمع، لأنه تارة يثير حزناً والحزن حار، وتارة يثير شوقاً والشوق حار، وتارة يثير ندماً والندم حار، فإذا أثار السماع هذه الصفات من صاحب قلب مملوء ببرد اليقين أبكى وأدمع، لأن الحرارة والبرودة إذا اصطدما عصرا ماء، فإذا ألم السماع بالقلب تارة يخف إلمامه فيظهر أثره في الجسد ويقشعر منه الجلد. قال الله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} (الزمر: الآية 23) وتارة يعظم وقعه ويتصوب أثره إلى فوق نحو الدماغ كالمخبر للعقل فيعظم وقع المتجدد الحادث فتندفق منه العين بالدمع، وتارة يتصوب أثره إلى الروح فتموج منه الروح موجاً يكاد تضيق عنه نطاق القالب فيكون من ذلك الصياح والاضطراب، وهذه كلها أحوال يجدها أربابها من أصحاب الحال، وقد يحكيها بدلائل هوى النفس أرباب المجال.
روي أن عمر رضي الله عنه كان ربما مرَّ بآية في ورده فتخنقه العبرة ويسقط، ويلزم البيت اليوم واليومين حتى يُعاد ويحسب مريضاً، فالسماع يستجلب الرحمة من الله الكريم.
وهذه جملة لا تنكر ولا اختلاف فيها، إنما الاختلاف في استماع الأشعار بالألحان، وقد كثرت الأقوال في ذلك وتباينت الأحوال فمن منكر يلحقه بالفسق، ومن مولع به يشهد بأنه واضح الحق ويتجاذبان في طرفي الإفراط والتفريط.
قيل لأبي الحسن بن سالم: كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون؟ فقال: كيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني؟ فقد كان جعفر الطيار يسمع، وإنما المنكر اللهو واللعب في السماع وهذا قول صحيح.