وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري:
سورة الزُمر
1 -قوله تعالى: (إنَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ. .) .
عبَّر فيه هنا ب"إلى"وفيها أثناء السورة ب"على". . تقدَّم في البقرة الفرقُ بين"إلى"و"على"ونزيد هنا أنَّ كلَّ موضعٍ خُوطب فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالِإنزالِ، أو التنزيل، أو النزول، إن عُدِّيَ ب"إلى"ففيه تكليفٌ له، أو ب"على"ففيه تخفيفٌ عنه، فما هنا تكليفٌ له بالِإخلاص في العبادة بدليل قوله"فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ"وما في أثناء السورة تخفيفٌ عنه بدليل قوله"وما أنتَ عليْهم بوكيلٍ"أي لستَ بمسئولٍ عنهم.
2 -قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ) .
أي دائمٌ على كفره وكذبه، أو لا يهديه إلى حجة يُلزم بها المؤمنين، وإلَّا فكم هُدي من كافر.
3 -قوله تعالى: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف يكون قوله فيها"لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشَاءُ"مع أن كل من ادَّعى له ولداً، أو نسبَ إليه ولداً قال: إنَّ الله اصطفاه من خلقه فجعله ولداً؟! (1)
قلتُ: إن جُعِلَ ردًّا على اليهود في قولهم: إن عزيراً بن الله، وعلى النَّصارى في قولهم: إنه المسيحُ. . كان معناه: لاصطفى ولداً من الملائكة لا من البشر، لأن الملائكة أشرفُ من البشر بلا خلافٍ بين اليهود والنصارى.
أو ردًّا على مشركي العرب في قولهم: إنه الملائكة، كان معناه لاصطفى ولداً من جنس ما يخلق كل شيء يريده، ليكون ولدُه موصوفاً بصفته،
(1) هذا على سبيل الفرضِ والتقدير، أي لو شاء اللَه اتخاذ ولدٍ فرضاً وتقديراً، لاختار من مخلوقاته ولداً على سبيل التبنّي، إذ يستحيلُ أن يكون عن طريق التوالد والتناسل، لأنه تعالى المزًه عن النظير والمثيل، ولكنه تعالى لم يشأ ذلك (وما ينبغي للرحمن أن يتخد ولداً) الآية وردت لتنزيه الله تعالى عن الزوجة والولد، بأبلغ صور التنزيه، وبأظهر الحجج وأوضحها.