[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
[فضل التعلم]
قال الجاحظ:
وقال بعضهم: كنت عند بعض العلماء، فكنت أكتب عنه بعضا وأدع بعضا، فقال لي: اكتب كلّ ما تسمع، فإن أخسّ ما تسمع خير من مكانه أبيض.
وقال الخليل بن أحمد: تكثّر من العلم لتعرف، وتقلّل منه لتحفظ.
وقال أبو إسحاق: القليل والكثير للكتب، والقليل وحده للصدر.
وأنشد قول ابن يسير (2) : [من المتقارب] أما لو أعي كلّ ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمع ... ت لقيل هو العالم المصقع
ولكنّ نفسي إلى كلّ نو ... ع من العلم تسمعه تنزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمع ... ت ولا أنا من جمعه أشبع
وأحصر بالعيّ في مجلسي ... وعلمي في الكتب مستودع
فمن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع
إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع
[التخصص بضروب من العلم]
وقال أبو إسحاق: كلّف ابن يسير الكتب ما ليس عليها. إن الكتب لا تحيي
الموتى، ولا نحوّل الأحمق عاقلا، ولا البليد ذكيّا، ولكنّ الطبيعة إذا كان فيها أدنى قبول، فالكتب تشحذ وتفتق، وترهف وتشفي. ومن أراد أن يعلم كلّ شيء، فينبغي لأهله أن يداووه! فإنّ ذلك إنما تصوّر له بشيء اعتراه!! فمن كان دكيّا حافظا فليقصد إلى شيئين، وإلى ثلاثة أشياء، ولا ينزع عن الدرس والمطارحة، ولا يدع أن يمرّ على سمعه وعلى بصره وعلى ذهنه، ما قدر عليه من سائر الأصناف، فيكون عالما بخواصّ. ويكون غير غفل من سائر ما يجري فيه الناس ويخوضون فيه. ومن كان مع الدرس لا يحفظ شيئا، إلّا نسي ما هو أكثر منه، فهو من الحفظ من أفواه الرجال أبعد.
[جمع الكتب وفضلها]
وحدّثني موسى بن يحيى قال: ما كان في خزانة كتب يحيى، وفي بيت مدارسه كتاب إلّا وله ثلاث نسخ.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ما دخلت على رجل قطّ ولا مررت ببابه، فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ اليد، إلّا اعتقدت أنّه أفضل منه وأعقل.