وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ} أَيِ اجْتَنَبُوا عِبَادَةَ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنِ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطَّاغُوتِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَذَكَرْنَا أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الشَّيْطَانُ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَنَا.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ} قَالَ: «الشَّيْطَانُ هُوَ هَاهُنَا وَاحِدٌ وَهِيَ جَمَاعَةٌ» .
وَالطَّاغُوتُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ هَذَا وَاحِدٌ مُؤَنَّثٌ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: أَنْ يَعْبُدُوهَا
وَقِيلَ: إِنَّمَا أُنِّثَتْ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى جَمَاعَةٍ.
وَقَوْلُهُ: {وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ}
يَقُولُ: وَتَابُوا إِلَى اللَّهِ وَرَجَعُوا إِلَى الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَالْبَرَاءَةِ مِمَّا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ
وَقَوْلُهُ: {لَهُمُ الْبُشْرَى}
يَقُولُ: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الدُّنْيَا بِالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ عِبَادِيَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ مِنَ الْقَائِلِينَ، فَيَتَّبِعُونَ أَرْشَدَهُ وَأَهْدَاهُ، وَأَدَلَّهُ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَيَتْرُكُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى رَشَادٍ، وَلَا يَهْدِي إِلَى سَدَادٍ.
عَنِ السُّدِّيِّ: {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} قَالَ: «أَحْسَنَ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْلَمُونَ بِهِ»
وَقَوْلُهُ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، يَقُولُ: وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِلرَّشَادِ وَإِصَابَةِ الصَّوَابِ، لَا الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، وَيَعْبُدُونَ مَا لَا يَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ