[لطيفة]
قال فِي ملاك التأويل:
قوله تعالى: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) (الزمر:21) ، وفي سورة الحديد: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) (الحديد:20) ، فورد هنا: (ثم يكو) وفي الأولى: (ثم يجعله) مكان (ثم يكون) فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟ وهل كان يمكن أن يرد في الأولى: (ثم يكون) وفي الثانية (ثم يجعله) ؟
والجواب، والله أعلم: أنه لا يناسب كلا من الموضعين إلا ما ورد فيه، ولا يجوز على رعي التناسب اللازم رعيه في الكتاب العزيز غير ما ورد عليه الموضعان، ووجه ذلك أن آية الزمر وردت مورد التنبيه على الاعتبار، وبالنّصية على ذلك افتتحت الآية فقال تعالى خطاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) (الزمر:21) ، والمراد به المطر، فسلكه ينابيه في الأرض أي أنقذه وأراه في الأرض فبرزت عيونها وجرت مياهها من تلك المادة السماوية (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ) (البقرة:74) ، فيخرج به سبحانه الزرع المختلف الألوان والطعوم المتباينة: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) (الرعد:4) ، (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) (الزمر:21) فنسب سبحانه كل حالة من تقلبات الزرع إلى نفسه، وتنقلاته من لدن خروجه ونباته وما بعد ذلك إلى تخلصه إلى نفسه، إذ لا طمع لمخلوق في إعادة شيء من ذلك، ثم قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (الزمر:21) ، فافتتحت الآية واختتمت بالتنبيه على الاعتبار، فلما كان مبناها على ذلك ناسب نسبة الفعل إليه تعالى فقال: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ) .