[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(من فجع بمختص به فلم يحزن لتصورّه قبل وقوعه)
قال الراغب الأصفهاني:
دخل رجل على حكيم وهو يأكل فقيل له: قد مات ابنك. فقال: قد علمت، ولم يقطع الأكل. فقيل له: ومن أين علمت ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) .
وحضر الموبذ عند المأمون بمرو وهو يكالمه إذ وردت عليه خريطة من الحسن فيها أخبار العراق وموت ابن الموبذ، فقال المأمون: أحسن الله لك العوض وعليه الخلف، فأجابه بصالح الأدعية. فعجب المأمون وقال: أتدري ما أردت؟ قال: لا، قال: يقال إن ابنك مات.
قال قد علمت ذلك.
قال ومن أين علمت ذلك والخريطة الساعة وردت؟ قال:
قد علمت ذلك يوم ولد. وهذا كما سئل أفلاطون فقيل له: ما علّة موت ابنك؟ قال وجوده.
وقيل لعمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك، فقال: هذا أمر كنا نتوقعه قبل كونه فلما ورد لم ننكره.
وقال شاعر:
وهل جزع مجد عليّ فأجزع
وقال الطّرماح:
ولمّا رأى أنّ الأسى غير دافع ... عن المرء مقدورا من الأمر سلّما
وقال:
هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم ... حياة وكان الصبر أبقى وأكرما
وقال المتنبّي:
أردّد ويلي لو قضى الويل حاجة ... وأكثر لهفي لو شفى غلّة لهف
من مات له عدة بنين فصبر
مات لأنس بن مالك رضي الله عنه في طاعون الجارف ثلاثون ابنا، ولعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أربعون ابنا، ولعبيد الله بن عمر رضي الله عنهما ثلاثون ابنا سنة أربع وستين، ومات لأعرابية ابن وأخ وزوج دفعة، فلم تبك.
وقالت:
أفردني ممّن أحبّ الدهر ... ثلاثة هم نجوم زهر
فإن جزعت إنّ ذا لعذر ... وإن صبرت لا يخيّب الصّبر
ونظر رجل بالبصرة إلى امرأة فقال: ما رأيت مثل هذه النضارة وما ذاك إلا من قلّة الحزن، فقالت: ما حزن كحزني: ذبح زوجي شاة ولي صبيان يلعبان فقال أحدهما للآخر: تعال أريك كيف ذبح أبي الشاة فذبحه ثم خاف فهرب إلى الجبل فرهقه ذئب فافترسه وخرج زوجي في طلبه، فاشتد عليه الحرّ فمات عطشا فقيل لها: كيف صبرت؟
فقالت: لو وجدت في الحزن دركا ما اخترت عليه.
حثّ الإنسان أن يستعمل من التسلّي عاجلا ما يعود إليه آجلا