قوله - جلَّ جلالُه -: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ...(32)
الكاذب على الله - عز وجل - هو المتقول عليه ما لم يقله معنًى ولا نصًّا، والذي
يقول: أوحى إلي ولم يوحَ إليه شيء، وهو المتنبي والدعي الكذاب، أو كذب بالحق
لما جاء مثل قول بعضهم: (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ(15)
(لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(31)
والمكذب بالصدق لما جاءه هو الذي يرى برهان الحق من قبل المعهود المتعارف
جريانه أو من قبل خرق العوائد فيكذب به ويعرض عنه، والمكذب بالصدق إذ جاءه
أيضًا هو الذي يبلغه كتاب الله وسنة رسول الله، فلا يحفل به ولا يرفع بذلك رأسًا.
أتبع ذلك قوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) هو محمد رسول الله وهو المصدق
أولاً به، ثم المؤمنون هم المصدقون بالصدق المبلغ إليهم، و (هُمُ الْمُتَّقُونَ)
يجزيهم الله بأحسن أعمالهم وأرفعها درجة وأخلصها نية وأحضرها
ذكرًا، انتظم هذا الكلام بما جاوره قبله قوله: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) .
يعزيه بذلك ويقرب له الأمر، وإن خصومتهم هناك عند مرسله ومنزل الكتاب عليه، وحذف ذكر الجزاء حتى عرض به
فيما بعده بقوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ) .
وفي ضمن هذا وعيد عليهم شديد، فكما لا أظلم من هؤلاء، كذلك لا عذاب
كعذابهم، ولا إهانة كإهانة يلقونها، وكما أن هذا كهذا فكذلك لا جزاء بخير كجزاء
يصير إليه المتقون الذين جاءوا بالصدق: وهم الرسول، والذين صدقوا به: وهم
أتباع الرسل، وعلى هذا فإن الذين جاءوا من بعدهم لم يروا رسول الله ولا حدثهم،
إنما كان مجيئهم في فترات الرسل أفضل إيمانًا وأعظم قدرًا(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ)جعنا الله منهم وفيهم إنه ولي ذلك لا إله إلا هو.