ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
سورة غافر
{لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعوْن إلى الإيمان فتكفرون}
فيه وجهان: أحدهما: لمقت الله بكم في الدنيا إذا دعيتم إلى الإيمان فكفرتم أكبر من مقتكم لأنفسكم في الآخرة حين عاينتم العذاب وعلمتم أنكم من أهل النار , قاله الحسن وقتادة.
الثاني: معناه: إن مقت الله لكم إذ عصيتموه أكبر من مقت بعضكم لبعض حين علمتم أنهم أضلوكم , حكاه ابن عيسى.
«فإن قيل» : كيف يصح على الوجه الأول أن يمقتوا أنفسهم؟
ففيه وجهان: أحدهما: أنهم أحلوها بالذنوب محل الممقوت.
الثاني: أنهم لما صاروا إلى حال زال عنهم الهوى وعلموا أن نفوسهم هي التي أوبقتهم في المعاصي مقتوها.
قوله عز وجل: {قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}
فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه خلقهم أمواتاً في أصلاب آبائهم , ثم أحياهم بإخراجهم ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم , ثم أحياهم للبعث , فهما ميتتان إحداهما في أصلاب الرجال , الثانية في الدنيا , وحياتان: إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة , قاله ابن مسعود وقتادة.
الثاني: أن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم قوله {وإذ أخذ رَبُكَ مِن ابني آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذرِيتَهُمْ} [الأعراف: 171] الآية. ثم إن اللَّه أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم , ثم أحياهم حين أخرجهم , ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم , ثم أحياهم للبعث فتكون حياتان وموتتان في الدنيا وحياة في الآخرة , قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
الثالث: أن الله أحياهم حين خلقهم في الدنيا , ثم أماتهم فيها عند انقضاء أجالهم , ثم أحياهم في قبورهم للمساءلة , ثم أماتهم إلى وقت البعث. ثم أحياهم للعبث , قاله السدي.
{فاعترفنا بذنوبنا} أنكروا البعث في الدنيا وأن يحيوا بعد الموت , ثم اعترفوا في الآخرة بحياتين بعد موتتين.
{فهل إلى خروج مِن سبيل} فيه وجهان: أحدهما: فهل طريق نرجع فيها إلى الدنيا فنقر بالبعث , وهو معنى قول قتادة.
الثاني: فهل عمل نخرج به من النار , ونتخلص به من العذاب؟ قاله الحسن.
وفي الكلام مضمر تقديره: لا سبيل إلى الخروج.
{فالحكم لله العلي الكبير}
إنما جاز وصفه بأنه علي ولم تجز صفته بأنه رفيع لأنها صفة قد تنقل من علو المكان إلى علو الشأن والرفيع لا يستعمل إلا في ارتفاع المكان.